قد يشكّل احتمال إجراء محادثات مباشرة بين قادة إسرائيل ولبنان، كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخميس، خطوة تاريخية بين دولتين جارتين ما تزالان رسميًا في حالة حرب منذ 78 عاما، وفق تقرير لصحيفة "وول ستري جورنال".
لكن هذه المحادثات قد تستثني أحد أبرز أطراف الصراع: "حزب الله"، المصنّف من قبل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية، والذي يخوض مواجهات متقطعة مع إسرائيل منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وفي منشور عبر منصة "تروث سوشيال"، قال ترامب إنه دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون إلى البيت الأبيض لإجراء أول محادثات سلام مباشرة رفيعة المستوى بين البلدين منذ عقود.
وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع موافقة إسرائيل على وقف إطلاق نار لمدة 10 أيام مع لبنان بعد نحو 7 أسابيع من القتال مع "حزب الله"، حيث أبدى نتانياهو استعداده للتوجه إلى واشنطن.
في المقابل، قال البيت الأبيض إن عون وافق على الهدنة، لكن مسؤولين لبنانيين أشاروا إلى أنه رفض اتصالا هاتفيا من نتانياهو ولم يحسم بعد مشاركته في اللقاء.
وقال ترامب: "كلا الجانبين يريد السلام، وأعتقد أن ذلك سيحدث بسرعة!".
محادثات السلام مع إيران
الهدنة المؤقتة تمنح الولايات المتحدة فرصة لمواصلة محادثات السلام مع إيران، الداعم الرئيسي لـ"حزب الله". وكانت طهران قد اشترطت وقف إطلاق النار في لبنان لاستئناف المفاوضات مع واشنطن بشأن برنامجها النووي وأنظمتها التسليحية ونفوذها في مضيق هرمز، فيما أكدت الولايات المتحدة أن الهدنة منفصلة عن هذه المحادثات.
غير أن غياب "حزب الله" عن طاولة التفاوض يجعل أي اتفاق سلام محتمل بين إسرائيل ولبنان هشا للغاية. ففي عام 1983، تم توقيع اتفاق سلام انهار لاحقا بسبب معارضة الحزب وفصائل أخرى، كما فشلت محاولة سلام أخرى برعاية أميركية عام 1993 نتيجة رفض سوريا، التي كانت تهيمن على لبنان آنذاك، وصعوبة تقديم ضمانات أمنية في ظل وجود "حزب الله".
حتى اتفاق نوفمبر 2024، الذي كان يفترض أن يؤدي إلى نزع سلاح الحزب وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، لم يحقق أهدافه.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات قد تدفع الحكومة اللبنانية إلى مواجهة حاسمة مع "حزب الله"، ما قد يهدد بانقسام داخلي خطير، خصوصًا أن الحزب لا يزال يُعتبر القوة العسكرية الأبرز في البلاد ويتمتع بدعم واسع داخل الطائفة الشيعية.
وقال الباحث سام هيلر للصحفة إن "المسار الحالي لهذه المحادثات، إذا استمر، قد يزيد الأمور تعقيدا، وهناك مخاطر حقيقية على استقرار لبنان ووحدته".
حرب أهلية داخل لبنان
في إسرائيل، يدرك المسؤولون حجم المخاطر التي تواجهها الحكومة اللبنانية، إذ قال المسؤول السابق أفنير غولوف إن "تفكيك حزب الله يمر إما عبر تدخل عسكري إسرائيلي أو حرب أهلية داخل لبنان".
من جهته، استقبل "حزب الله" إعلان الهدنة بفتور، مؤكدًا أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل كامل الأراضي اللبنانية وألا يمنح إسرائيل حرية الحركة. وقال في بيان: "وجود الاحتلال الإسرائيلي على أرضنا يمنح لبنان وشعبه الحق في مقاومته".
في المقابل، أعلن نتانياهو أن إسرائيل ستحتفظ بمنطقة عازلة بعرض 6 أميال في جنوب لبنان لحماية مواطنيها.
الهدنة قد توفر انفراجة فورية للبنان، حيث أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 2,000 شخص ونزوح أكثر من مليون، بينما قُتل مدنيان إسرائيليان و12 جنديا خلال المواجهات.
ما يميز الوضع الحالي عن محاولات السلام السابقة هو تراجع نفوذ إيران و"حزب الله" خلال العامين ونصف الماضيين منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 التي قادتها حماس وأشعلت صراعا واسعا في المنطقة.
داخليا، تتصاعد الانتقادات ضد "حزب الله" في لبنان، خصوصا بعد جرّ البلاد مجددا إلى الحرب إثر إطلاقه صواريخ على إسرائيل الشهر الماضي. وقد اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات غير مسبوقة للحد من نفوذ الحزب وإيران، منها حظر أنشطته العسكرية وطرد السفير الإيراني، إلا أن ضعف الجيش والاقتصاد ومخاوف اندلاع حرب أهلية جديدة يحدّ من قدرتها على تنفيذ هذه القرارات.
في المقابل، ترى إسرائيل مؤشرات على رغبة لبنانية في نزع سلاح الحزب، فيما عبّر بعض المسؤولين عن أملهم في تحقيق سلام شامل يشمل تعاونا اقتصاديا وسياحيا. وقال نتانياهو إن هناك "فرصة لصنع اتفاق سلام تاريخي مع لبنان".
لكن مسؤولين أمنيين إسرائيليين يرون أن الجيش اللبناني لا يزال حذرا للغاية، مشيرين إلى أن نحو نصف الصواريخ التي أطلقها "حزب الله" خلال الحرب الحالية جاءت من جنوب نهر الليطاني، رغم اعتباره منطقة منزوعة السلاح.
في شمال إسرائيل، قوبلت الهدنة بغضب، حيث اعتبرها مسؤولون تقويضا لزخم العمليات العسكرية ضد "حزب الله". وأظهرت استطلاعات أن غالبية الإسرائيليين تؤيد استمرار الحرب بغض النظر عن التطورات مع إيران.
وقال أحد المسؤولين المحليين: "الاتفاقيات تُوقّع في واشنطن، لكن ثمنها يُدفع هنا بالدم والدمار".
كما حذر باحثون من أن انطباعا سائدا في إسرائيل بأن إيران ضغطت لفرض الهدنة قد يعزز صورتها كطرف مؤثر في مسار الصراع، وربما يمنحها القدرة على إشعال الجبهة اللبنانية مجددا متى شاءت.