التطورات الميدانية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تؤشر إلى وجود أزمة بنيوية تتفاقم داخل نظام الملالي مع حدوث "فراغ بالقيادة" محتمل، وبما يعقد المشهد السياسي في طهران، وفق مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، خصوصًا بعد الاستهدافات التي طالت قادة الصف الأول الإيراني.
مسارات تفاوضية معقدة
إذ إن مقتل قادة عسكريين وسياسيين في نظام "الولي الفقيه" بداية من المرشد الإيراني وقائد "الحرس الثوري" مرورًا بقائد قوة "الباسيج" وحتى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بحسب ما تؤكد إسرائيل، يضاعف من صعوبة أي مسارات تفاوضية مع الغرب وواشنطن، كما تشير المصادر ذاتها.
وفي ما يبدو أن "الحرس الثوري" اليوم وتحت وطأة المتغيرات الطارئة راهنًا هو "المحرك الرئيس" للقرار الإيراني، بينما تتكيف باقي المؤسسات من الرئاسة، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية وغيرها مع توجهاته لضمان تماسك النظام وقدرته على إدارة الأزمة المحتدمة. وقد رجحت المصادر أن يتسبب الفراغ القيادي في ميل موازين القوة لصالح الإصلاحيين داخل النظام بما يزيد من التعقيدات الداخلية والخارجية.
وقد نفذت إسرائيل 3 ضربات استهدفت مؤخرًا لاريجاني وقائد "الباسيج" غلام رضا سليماني، ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، بحسب ما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس.
ويعتبر لاريجاني، بحسب مسؤولين إسرائيليين، القائد الفعلي لإيران خلال الأيام الـ10 الأولى من الحرب، بعد مقتل المرشد الإيراني بحسب ما يوضح موقع "أكسيوس" الأميركي.
وألمح الموقع الأميركي في تقرير اليوم إلى أن نفوذ لاريجاني كان يتراجع منذ انتخاب مجتبى خامنئي لمنصبه الجديد كمرشد لإيران، وأنه كان جزءًا من فريق يسعى لبدء التفاوض مع الولايات المتحدة، في مقابل جناح آخر بقيادة خامنئي الابن و"الحرس الثوري" لمواصلة الحرب.
الوجه البراغماتي
لاريجاني، الذي يعد الوجه البراغماتي للنظام وعلى رأس أعلى المراكز الأمنية الإيرانية، اضطلع بمهام مركزية في إدارة الأزمة الراهنة وسط كل التصعيد الخشن بفعل الحرب المندلعة. من ثم، يمثل غيابه المحتمل، وفق الرواية الإسرائيلية لاغتياله، تصدعًا في بنية النظام وكسر أحد الأضلاع المحورية بين عدة مؤسسات داخل السلطة تحديدًا الجيش و"الحرس" والأجهزة الأمنية. وهذا الانكسار يضاعف من فراغ القيادة مع تغييب شخصية هي الأهم بعد المرشد السابق علي خامنئي.
عليه، فإن سؤال الحكم في إيران أمام لحظة انكشاف قصوى، بينما ترتفع مؤشرات الصراع الداخلي التقليدي بين أجنحة السلطة خصوصًا الإصلاحيين والكتل الصلبة المرتبطة بجناح الصقور في مكتب المرشد الإيراني و"الحرس". ومع غياب شخصيات وازنة قادرة على الحسم، فإن الصراع سيضاعف الأزمة الداخلية مع الأخذ في الاعتبار احتمال وقوع احتجاجات شعبية.
ومن اللافت أن "الحرس" يواصل تعميق نفوذه منذ مقتل علي خامنئي والتمفصل في الحكم، بهدف تسيُّد القرار السياسي والعسكري. ذلك ما برز مع تعيين القائد السابق لـ"الحرس الثوري" محسن رضائي مستشارًا عسكريًا للمرشد الجديد.
ما بعد الضربات الإسرائيلية
وفي حديثها لـ"المشهد" تقول المعارضة الإيرانية منى السيلاوي إن التطورات الأخيرة توضح طبيعة الضربات الإسرائيلية التي استهدفت القادة المقربين من جناح المحافظين في إيران، بما في ذلك علي لاريجاني، وقد كان يُنظر إليه كأحد العناصر البراغماتية القادرة على إخراج النظام من الأزمة الراهنة. ورغم انتمائه للتيار المحافظ، فإنه كان يمثل "جسرًا للتفاوض والتوافق داخل السلطة"، ما يجعله شخصية ذات قدرة على التهدئة وإدارة الأزمة.
وبحسب السيلاوي فالقضاء على هذه القيادات يُعقّد المشهد السياسي الإيراني، إذ لم يتبقّ سوى عناصر يصعب التفاوض معها، وهو ما تحدث بشأنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين قال إن واشنطن لم تعد تعرف من يمكن التفاوض معهم داخل إيران.
وتخلص المعارضة الإيرانية إلى أن هذا الفراغ القيادي في الصفوف الأولى قد يميل بالميزان لصالح الإصلاحيين داخل النظام، ما قد يفتح المجال لإعادة ترتيب موازين القوى الداخلية في طهران.
دوائر صنع القرار
يتفق والرأي ذاته، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة) الدكتور محمود أبو القاسم، حيث يرى أن لاريجاني يُعتبر من أهم صناع القرار في طهران بعد مقتل المرشد الإيراني في الأيام الأولى من التصعيد العسكري، الأمر الذي يضع السلطة أمام أزمة سياسية عنيفة.
ويقول أبو القاسم لـ"المشهد": "سيشكل اغتيال لاريجاني إن صح الإعلان الإسرائيلي ضربة قوية من الناحية الرمزية والسياسية، حيث إنه كان يعتبر شخصية وازنة داخل النظام السياسي، وكان يعوّل عليه كرجل سياسة براغماتي ولديه خطوط اتصال ما بين الأجنحة السياسية والعسكرية والأمنية بحكم منصبه الأمني المهم، إذ إن مجلس الأمن القومي من أهم دوائر صنع القرار في إيران. وربما يأتي دوره بعد المرشد في تحديد توجهات السياسية الداخلية والخارجية الإيرانية".
من ثم، فإن اغتيال لاريجاني قد يربك بعض دوائر صنع القرار مؤقتًا في إيران، بحسب ما يوضح الباحث في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية (رصانة)، لافتًا إلى أن هذا الاستهداف يبعث بعلامات استفهام حول قدرة النظام على حماية قياداته وقت الحرب، حيث قد تتسع نطاقات الاستهداف خصوصًا مع ضعف الضوابط الأمنية في ظل هذا الوضع المأزوم.
الاستدارة للإصلاحيين
ويردف: "قد يسهم ذلك الاستهداف في إضعاف الحالة المعنوية للجبهة الداخلية وذلك باعتبار لاريجاني شخصية مهمة بقدر خامنئي بالنسبة للنظام في هذه المرحلة؛ فإسرائيل تعتبر هذه الاغتيالات خطوة مهمة في طريق سعيها لإسقاط النظام، من خلال تفكيك النظام وإفقاده السيطرة عبر ضرب قياداته الفاعلة وترك فراغ في المناصب قد يصعب ملؤه".
لكن أيضًا يتعين النظر إلى أن إيران، والحديث للمصدر ذاته، تعاني"وضعًا استثنائيًا". من ثم، فرغم أهمية القيادات التي تم استهدافها، إلا أن مركز قوة النظام الآن يتمثل في "الحرس الثوري" الذي يدير الأمور في البلاد. ومع فقدان "الحرس" "صوتًا مهمًا" كان يتم التعويل عليه في الترويج لمخارج دبلوماسية من الصراع الراهن، فربما يضطر اللجوء إلى عناصر "أقل ثقة" مثل الرئيس الإصلاحي السابق حسن روحاني أو وزير الخارجية السابق أيضًا محمد جواد ظريف ظريف إذا ما كان مطروحًا التعامل بـ"عقلانية" مع الواقع.