بعد اتخاذه لمجموعة من الإجراءات التي تستجيب لتوصيات مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف)، تمكّن المغرب أخيرا من الخروج من "اللائحة الرمادية" لغسل الأموال وتمويل الإرهاب، الأمر الذي ما سيشكل دفعة قوية للمملكة المغربية من أجل تعزيز مكانتها لدى المؤسسات المالية الدولية وتحسين مناخ الأعمال، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تُخيم بالبلاد في السنوات الأخيرة وتزامنا مع ارتفاع معدل التضخم بنسبة غير مسبوقة بلغت 8.9 في المائة.
الحكومة المغربية منتشية
وخرج المغرب من عنق زجاجة اللائحة الرمادية لغسل الأموال وتمويل الإرهاب، بقرار "مجموعة العمل المالي" (FATF) وبإجماع أعضائها بعد تقييم طال مسار ملاءمة المنظومة المغربية مع المعايير الدولية في هذا الشأن، وعقب زيارة المجموعة الميدانية للمغرب في يناير الماضي، من أجل معاينة مدى تطبيق البلاد لالتزاماتها بمحاربة غسل الأموال، وهو ما دفع البنك المركزي المغربي نحو الرهان بقوة على مغادرة المملكة للقائمة الرمادية للملاذات الضريبية من أجل تحصيل امتيازات مالية واقتصادية عدة.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد في ظل ارتفاع نسبة التضخم كنتيجة لتداعيات الأزمات الجيوسياسية والحرب الروسية الأوكرانية والجائحة وغيرها، تنفّست الحكومة المغربية الصعداء بعد هذا القرار الجديد، مشيرة إلى أن تقرير "مجموعة العمل المالي" تضمن خلاصات إيجابية بناء على زيارتهم الميدانية للمغرب والتي ثمّنت التزام المملكة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في الآجال المحددة.
واعتبرت الحكومة المغربية أن قرار مغادرة المغرب لمسلسل المتابعة المعززة، أو ما يعرف بـ"اللائحة الرمادية"، جاء تتويجاً للجهود والإجراءات الاستباقية المتخذة من جانب البلاد في شأن التدابير التشريعية والتنظيمية والخطوات التحسيسية والرقابية التي حرصت على تنزيلها مختلف السلطات والمؤسسات المعنية بتنسيق من الهيئة الوطنية للمعلومات المالية وبشراكة مع الأشخاص الخاضعين والقطاع الخاص.
وذكرت الحكومة في بيانها أن مغادرة المغرب القائمة الرمادية ستؤثر إيجاباً في التصنيفات السيادية وتصنيفات البنوك المحلية، كما سيعزز صورة المملكة وموقعها التفاوضي أمام المؤسسات المالية الدولية، فضلاً عن تزايد ثقة المستثمرين الأجانب بالاقتصاد الوطني.
وجدد المغرب ضمن بيان الحكومة "التزامه القوي مواصلة تعزيز المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب انسجاماً مع تطور المعايير الدولية ذات الصلة"، مبرزاً أن "هذا الالتزام أضحى ذا طابع استراتيجي ومؤسساتي يروم حماية النظام المالي الوطني من أخطار الجرائم المالية".
تتويج لمجهود سنوات
وفي هذا الصدد، ثمّن الخبير الاقتصادي، حمزة منجب قرار إزالة المغرب من اللائحة الرمادية بعد التقييم الإيجابي لمجموعة العمل المالي الدولية، مشيرا إلى أنه تتويج للمبادرات والإصلاحات المتواترة التي قام بها المغرب فيما يتعلق بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ولفت منجب في تصريحه لـ "المشهد"، إلى أن المغرب سنَّ جملة من الإصلاحات المالية والقانونية، بهدف محاصرة ظاهرة تبييض أو غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفق استراتيجية وطنية دشنها في 2021، سواء من خلال تحسين مراقبة المخاطر واتخاذ الإجراءات التصحيحية الفعالة والمناسبة والرادعة لعدم الامتثال، أو تقوية مراقبة مدى احترام المؤسسات المالية بالالتزامات القانونية، الأمر الذي توّج أخيرا بالخروج من المنطقة الرمادية.
وأكد المتحدث، أن مجموعة العمل الدولي للمغرب، كان من أجل معاينة مدى تنفيذ الإصلاحات المالية التي أعلنت عنها المملكة على أرض الواقع، وهو قرار انتُظر لسنوات طويلة عملت فيها الحكومات المتعاقبة على حماية النظام المالي من الوطني من الجرائم المالية، بهدف تحسين مؤشر المغرب في مكافحة غسيل الأموال خاصة وأنه تحصّل على مراتب متقدمة في هذا الإطار بفضل ما سبق بتبوئه الرتبة 64 برصيد 5.16 نقطة في 2022.
ما المقصود بالمنطقة الرمادية؟
وتحدِّد مجموعة العمل المالي، وهي هيئة دولية يوجد مقرها الرئيسي في فرنسا، المعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، لملاءمة المنظومات الوطنية للدول.
وتصنِّف مجموعة العمل المالي الدولية البلدان إلى لائحة سوداء تضم الدول التي لديها أوجه قصور استراتيجية في نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، والتي تدعو مجموعة العمل المالي جميعَ الدول الأعضاء إلى اتخاذ تدابير مضادة بحقها.
وأما اللائحة الرمادية فتشمل الدول الخاضعة للمتابعة المتزايدة، وهي الدول التي تعمل مع مجموعة العمل المالي لمعالجة أوجه القصور في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار
التسلح، حيث تتعهد هذه الدول باتباع خطة العمل المحددة للوفاء بمعالجة أوجه القصور لديها.
ما الذي سيجنيه المغرب؟
ويرى مراقبون أن سعي حكومات الدول جاهدة إلى الخروج من المنطقة الرمادية، يأتي نظير الامتيازات غير المحصورة التي تظفر بها، وذلك أنه ومن شأن خروج المغرب من اللائحة "الرمادية" لمجموعة العمل المالي، التأثير بشكل إيجابي على التصنيفات السيادية وتنقيط البنوك المحلية، فضلا عن العديد من التصنيفات الدولية المحدثة من قبل مؤسسات التصنيف التي تضع المغرب في صدارة الدول الجيدة على مستوى الاستثمار.
وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي إدريس الفينة في تصريح لمنصة "المشهد"، إن خروج المغرب من المنطقة الرمادية خطوة مهمة تكفل له دخول مصاف الدول التي تتوفر على نظام مراقبة تحركات رؤوس الأموال بصفة متقدمة، ووفق المعايير الدولية، وهو ما سيسمح له بتتبع الجرائم المرتبطة بتبييض الأموال أو تمويل الإرهاب.
وأشار المتحدث إلى أن هذا القرار كفيل أيضا بتعزيز صورة المغرب ومكانته أثناء المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية وأخد القروض وفق شروط تفضيلية مقارنة مع دول أخرى في المنطقة الرمادية، فضلا عن ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الوطني.
واعتبر الفينة، أن المغرب ومن خلال انضمامه إلى النادي المصغر للبلدان التي أظهرت تطورا إيجابيا على مستوى تشريعاتها وممارساتها الضريبية، يعزز جاذبيته ويطمئن المستثمر بشأن الطابع السليم لتشريعاته ومنظومته الضريبية، ويثمن الخيارات الجيدة المتخذة في مجال السياسة الاقتصادية للبلاد ويؤكد أهمية التدابير المعتمدة من حيث الحكامة والشفافية الضريبية، تماشيا مع المعايير الدولية.
وكان المغرب قد حرص في السنوات الأخيرة الفائتة، على تعزيز ترسانته القانونية في مجال مكافحة غسيل الأموال، حيث تم في هذا الإطار، اعتماد مجموعة من مشاريع القوانين، بينما عملت مؤسسات الدولة على تعزيز الآليات الرامية إلى الوقاية من هذا النوع من الممارسات.
وركزت التدابير المتخذة من طرف المملكة على حزمة من الإجراءات التشريعية، التنظيمية، التحسيسية والرقابية، والمنفذة من قبل مختلف السلطات والمؤسسات الوطنية المعنية، بتنسيق من الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، وبشراكة مع الأشخاص الاعتباريين الخاضعين للقانون العام أو الخاص.