في مشهد سياسي تتداخل فيه الجبهات وتختلط الجغرافيا بالتصعيد السياسي والعسكري، رسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطوطًا غير مألوفة بين الشرق الأوسط ومنطقة الكاريبي وربط في كلمة ألقاها بولاية فلوريدا، بين الحرب على إيران وخطوة لاحقة يقول إنها ستُتّخذ تجاه كوبا.
قال ترامب إنّ الولايات المتحدة "ستتولى السيطرة على كوبا بشكل شبه فوري"، مضيفًا، أنه يفضل "إنهاء المهمة أولًا في إيران"، قبل الانتقال إلى ما بعدها. لكنّ اللافت لم يكن فقط ترتيب الأولويات، بل الطريقة التي صاغ بها المشهد نفسه، وكأنّ العالم يتحرك ضمن خريطة واحدة تُدار بمنطق الحسم السريع.
قلب الأمن الأميركي
وفي سردية الرئيس الأميركي، لم تكن التفاصيل رمزية، بل تحدّث عن أضخم حاملة طائرات أميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن" الموجودة قبالة إيران الخاضعة لحصار اقتصادي وبحري خانق.
وقال إنها بعد إنهاء المهمة "ستقترب من السواحل الكوبية، وتتمركز على مسافة قصيرة من الشاطئ، في رسالة قوة يعتبرها كفيلة بدفع الطرف الكوبي إلى 'الاستسلام; من دون مواجهة طويلة".
وبين إغلاق ملف إيران وفتح ملف كوبا، يظهر سؤال أكبر يتجاوز التصريحات السياسية نفسها: هل نحن أمام تحوّل في العقيدة السياسية الأميركية؟ أم مجرد رسالة تصعيدية تخاطب الداخل الأميركي بقدر ما تخاطب الخارج؟
وفي قراءة أولى، يرى عضو شبكة التضامن الفنزويلية في واشنطن والمختص بشؤون أميركا اللاتينية والولايات المتحدة ليوناردو فلوريس أنّ هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها كحوادث منفصلة، بل كجزء من إعادة تموضع إستراتيجي أوسع داخل واشنطن.
وأشار إلى أنّ وثيقة إستراتيجية الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض نهاية العام الماضي 2025، تعيد وضع نصف الكرة الغربي في صدارة الاهتمام، مع استمرار الخطاب السياسي العدائي تجاه الصين وروسيا وإيران.
وأضاف فلوريس لمنصة "المشهد" أن جوهر التحول لا يتعلق فقط بالمواجهة العسكرية، بل أيضًا بالسيطرة على الممرات البحرية الحيوية والموارد، وإعادة رسم توازن النفوذ في الإقليم.
وتابع قائلا: "إن أيّ تحرك تجاه كوبا بعدما حدث في فنزويلا، لن يُفهم كحدث معزول، بل كرسالة سياسية مباشرة لبقية دول أميركا اللاتينية، بأنّ هامش الاستقلال الإستراتيجي بات أضيق من السابق".
كوبا بين النقيضين
في المقابل، تقدّم الصحفية الكوبية غلاديس كيسادا لمنصة "المشهد" قراءة مختلفة، ترى فيها أنّ ما يجري ليس جديدًا على نمط العلاقة بين واشنطن وكوبا، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الضغط السياسي والاقتصادي.
وأشارت إلى مفارقة لافتة تتكرر في الخطاب الأميركي وهيي أن كوبا تُقدّم أحيانًا كدولة منهارة غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية وفي الوقت نفسه تُصوّر كتهديد إستراتيجي بالقرب من ولاية فلوريدا"، التي تعدّ موطنًا لنسبة كبيرة من الجالية الكوبية في الولايات المتحدة.
واعتبرت كيسادا أن هذا التناقض ليس مجرد اختلاف في الخطاب، بل جزء من بناء سردية سياسية قابلة للاستخدام عند الحاجة، سواء لتبرير الضغط أو لتسويغ أيّ تحرك عسكري مستقبلي.
ولفتت إلى دور وزير الخارجية ماركو روبيو -كوبي الأصل ومن سكان فلوريدا- الذي يعيد بحسب توصيفها، إنتاج سردية الحرب الباردة عبر الربط بين كوبا وروسيا والصين، وكأنّ الجزيرة نسخة حديثة من أزمة الصواريخ الكوبية التي حدثت عام 1962، بعد اكتشاف الولايات المتحدة لوجود قواعد صواريخ سوفياتية في كوبا، وحدوث مواجهة عسكرية بين واشنطن وهافانا استمرت لـ13 يومًا.
هل تتحول التصريحات إلى خطوات؟
وعلى الرغم من حدة الخطاب الأميركي الحالي وإشارتها إلى ما يحمله التاريخ من تهديدات أميركية تبعتها خطوات عملية ضد كوبا، تعتقد كيسادا أنّ السيناريو العسكري المباشر لا يزال معقدًا، ليس فقط بسبب الكلفة العسكرية بل أيضًا بسبب التشابك السياسي والاقتصادي المحيط بالملف الكوبي.
وأضافت أن "كوبا، رغم أزماتها الداخلية، ليست ساحة فارغة بل دولة تمتلك شبكة علاقات دولية ممتدة وتجربة طويلة في التعامل مع الحصار والضغوط. وفي المقابل، ولا يبدو أنّ داخل واشنطن نفسها إجماعًا واضحًا حول حدود أيّ تصعيد محتمل، أو شكل التدخل إذا حدث".
وشككت كيسادا في جدوى أيّ مواجهة مفتوحة خصوصًا من زاوية اقتصادية، معتبرة أنّ "كوبا ليست 'صفقة رابحة' لأيّ إدارة أميركية وخصوصًا إدارة ترامب، الباحث دومًا عن الربح المالي، بل عبء معقّد سياسيًا واقتصاديًا وبشريًا".
وعلى مستوى أوسع وقياسًا بالتحولات والأحداث التي يشهدها العالم حاليًا، وبناءً على ما أشار إليه المتحدثان، يبدو أنّ كوبا لم تعد مجرد ملف ثنائي بل أصبحت نقطة اختبار أخرى في شكل النظام الدولي الذي يُجمع المفكرون السياسيون على أنه قادم.
ومن هنا، يبقى السؤال مطروحًا وهو: هل ما نسمعه اليوم هو مجرد ضغط سياسي في لحظة انتخابية.. أم بداية فعلية لإعادة رسم خريطة النفوذ الأميركي من طهران إلى هافانا؟