تبدو المواجهة الأميركية الإيرانية مرشحة لمزيد من التصعيد مع تراجع فرص التهدئة السريعة، إذ تتحرك واشنطن بين خيارين؛ مواصلة سياسة الضغط العسكري واستنزاف القدرات الإيرانية، أو تنفيذ ضربة نوعية تستهدف منشأة نووية رئيسة ومركزية، لإعلان تحقيق أهداف الحرب، فيما تواصل طهران تهديداتها في مضيق هرمز، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
نطاق الضربات
ومن المرجح أن يتسع نطاق الضربات لتشمل أهدافًا أكثر حساسية، بينها المنشآت النفطية، مع تصاعد نفوذ التيار المتشدد والراديكالي داخل إيران، والذي يشكك في أيّ مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة، بحسب المصادر ذاتها.
وكان الجيش الأميركي، قد أعلن اليوم، بدء موجة جديدة من الضربات الجوية ضد طهران.
وبحسب القيادة المركزية الأميركية في بيان على منصة "إكس"، فإنّ "الضربات هدفها مواصلة إضعاف القدرات العسكرية التي تستخدمها القوات الإيرانية لمهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز".
وبالتزامن، طالت ضربات أميركية جديدة مدينة بوشهر الساحلية، الواقعة جنوب غربي إيران، والتي تضم المحطة النووية الوحيدة في البلاد، بحسب ما صرح به محافظ بوشهر محمد مظفري.
كما ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لـ"فوكس نيوز"، إلى أنه سوف يوسع من نطاق الضربات الأميركية على إيران الأسبوع المقبل، وهدد بأن تشمل الضربات محطات الطاقة والجسور في حال عدم استجابة طهران إلى اتفاق.
الخيارات المطروحة
وفي حديثه لـ"المشهد"، يقول المعارض الإيراني مهدي عقبائي، إنه مع عودة الضربات الأميركية، تبدو الخيارات المطروحة أمام واشنطن وطهران محصورة بين 3 مسارات:- توسيع الضغط العسكري.
- العودة إلى التفاوض بشروط أكثر تشددًا.
- إدارة تصعيد منضبط من دون الذهاب إلى حرب شاملة.
إلا أنّ الوضع الراهن، يكشف عن نظام إيراني مأزوم يحاول البقاء عبر التهديد والمراوغة وكسب الوقت، وفق عقبائي.
وتابع: "خيار واشنطن الأول هو استمرار الضربات المحدودة ضد منشآت "الحرس الثوري" والقدرات كافة التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز، من دون الانزلاق إلى عملية برية أو حرب مفتوحة. وهذا ما تعكسه الضربات الأخيرة التي استهدفت قدرات مرتبطة بتهديد السفن والملاحة. أما الخيار الثاني فهو استخدام هذه الضربات لدفع طهران إلى العودة للمفاوضات من موقع أضعف، مع فرض قيود أوضح على الصواريخ، والنووي، والميليشيا، وأموال النظام. أما الخيار الثالث، وهو الأخطر، فهو أن يتحول الرد المتبادل إلى سلسلة ضربات لا يستطيع أيّ طرف وقفها بسهولة".
ويوضح عقبائي أنّ خيارات طهران "أضيق بكثير بخلاف ما يبدو ظاهريًا من تهديداتها بتحريك ميلشياتها أو مواصلة تعطيل الملاحة الدولية، وشل أسواق الطاقة؛ حيث إنّ النظام يتخوف من الحرب الشاملة التي ستكشف وضعه الهش بينما تسرّع الانفجار الشعبي".
وفي ما يتصل باحتمال أن تتحول الهجمات إلى حرب شاملة، يجيب المعارض الإيراني بأنّ "الاحتمال قائم، خصوصًا إذا استهدف النظام الملاحة في هرمز أو حرّك ميليشياته ضد مصالح أميركية أو خليجية. لكنّ السيناريو الأقرب هو تصعيد محدود ومتدرج، هدفه الضغط على طهران ودفعها إلى التراجع. غير أنّ خطورة هذا السيناريو، أنه قابل للانفجار في أيّ لحظة، لأنّ النظام الإيراني يعيش على خلق الأزمات".
وتابع: "الحل الحقيقي ليس في حرب شاملة يدفع ثمنها الإيرانيون وشعوب المنطقة، ولا في مسايرة تفاوضية موقتة، تمنح النظام فرصة جديدة للقمع والإرهاب من خلال ميلشياته بالإقليم، إنما الاعتراف بأنّ مصدر الأزمة هو نظام "ولاية الفقيه" و"الحرس الثوري"، ومن ثم، دعم البديل الديمقراطي".
مصلحة مشتركة
من جهته، يرى المحلل السياسي الأميركي رائد جرار، أنّ الولايات المتحدة وإيران لا تزالان تمتلكان مصلحة مشتركة في التوصل إلى اتفاق دائم، مرجحًا أنّ أيًّا من الطرفين لا يرغب في الانزلاق إلى حرب شاملة.
وأوضح، في تصريح لمنصة "المشهد"، أنّ المشهد الحالي يعكس اختبارًا لموازين القوة والقدرة على الصمود، أكثر من كونه مواجهة عسكرية تستهدف الحسم، مشيرًا إلى أنه رغم انهيار الهدنة الموقتة، وتبادل الضربات بين الجانبين، فإنّ فرص العودة إلى طاولة المفاوضات لا تزال قائمة، في ظل عدم إقدام أيّ طرف على خطوات تصعيدية كبرى، مثل دخول بري أميركي لإيران، أو إغلاق إيراني دائم لمضيق هرمز.
وأضاف جرار، أنّ إسرائيل تمثل "العامل الأكثر تقلبًا" في مسار الأزمة، لافتًا إلى استمرار الخلافات بشأن الانسحاب من جنوب لبنان، وكذلك ما تردد عن مطالبة ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بإعادة الانتشار في لبنان وسوريا، مقابل تمسك الأخير بالإبقاء على مناطق عازلة لأسباب أمنية.
ورأى أنّ اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واستمرار محاكمة نتانياهو في قضايا فساد، يمنحانه دوافع سياسية لإطالة أمد المواجهة، معتبرًا أنّ السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة، يتمثل في ما إذا كان ترامب سيواصل تغليب المصالح الأميركية، أم سينحاز في نهاية المطاف إلى نهج نتانياهو الأكثر تشددًا.
من هنا، تبدو الخيارات الأميركية في المرحلة الحالية تنحصر في مسارين رئيسيين، أولهما مواصلة سياسة "الضغط القصوى" عبر استخدام القوة العسكرية، بهدف دفع إيران إلى القبول باتفاق بشروط أكثر ملاءمة لواشنطن، أو على الأقل، تقليص قدراتها العسكرية والاستراتيجية، بما يسمح لترامب تقديم ذلك للداخل الأميركي باعتباره إنجازًا حقق من خلاله تحييد جانب كبير من القدرات الإيرانية، كما يوضح المراقب العسكري الدولي السابق لدى الأمم المتحدة، الدكتور كمال الزغول.
وأوضح الزغول لـ"المشهد"، أنّ المسار الثاني يتمثل في تنفيذ ضربة نوعية تستهدف إحدى المنشآت النووية الإيرانية الرئيسة، بعد سلسلة الضربات التي طالت نطاقًا واسعًا من الأهداف داخل إيران، بما يتيح لترامب إعلان تحقيق الأهداف الأساسية للحملة العسكرية، وتوظيف ذلك سياسيًا قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
النموذج الإسرائيلي
وأضاف، أنّ الولايات المتحدة انتقلت، من سياسة الردع إلى إستراتيجية تقوم على استنزاف القدرات الإيرانية من خلال ضربات محدودة ومتكررة، ردًا على ما تعتبره واشنطن سياسة استنزاف إيرانية لمصالحها في المنطقة.
ورأى أنّ هذه المقاربة تقترب من النموذج الإسرائيلي القائم على تنفيذ ضربات دورية للحفاظ على الضغط العسكري، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وأشار إلى أنّ الإستراتيجية الأميركية تبدو قائمة على الجمع بين التفاهمات الموقتة والعمل العسكري، بحيث تعود واشنطن إلى تنفيذ ضربات عسكرية كلما رأت ذلك ضروريًا، مع الاحتفاظ بحق استئناف العمليات في أيّ وقت، وهو نمط سبق أن اتبعته في ساحات صراع أخرى.
وختم الزغول بالقول، إنّ سياسة الاستنزاف وحدها قد لا تكون كافية لإقناع الرأي العام الأميركي بأنّ الأزمة قد حُسمت، لذلك؛ فإنّ ترامب، بحسب تقديره، يسعى إلى تحقيق نهاية واضحة للمواجهة، سواء عبر التوصل إلى اتفاق يمكن تسويقه بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا، أو من خلال تنفيذ ضربة كبيرة ضد منشأة نووية إيرانية رئيسة، يعلن بعدها أنّ أهداف الحملة العسكرية قد تحققت، بما يعزز موقعه السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي.
مسار الصراع
بالمحصلة، فإنّ الضربات الأميركية الأخيرة ضد إيران، لا يمكن وصفها بأنها "محدودة"، كما يقول الباحث في العلاقات الدولية والمستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية، سالم عسكر اليامي، مشيرًا إلى أنّ واشنطن نفسها تتحدث عن استمرارها لفترة تتراوح بين أسبوع و3 أسابيع، وهو ما يعني استمرار العمليات العسكرية بما تحمله من خسائر بشرية ومادية وتأثيرات واسعة على مسار الصراع.
وقال اليامي لـ"المشهد"، إنّ هذه الضربات اتسمت بطابع نوعي، سواء من حيث الأسلحة والذخائر المستخدمة أو أنواع الطائرات المشاركة والأهداف التي يجري استهدافها.
وفي ما يتعلق بخيارات إنهاء الحرب، أوضح: "الولايات المتحدة باتت تراهن بشكل أساسي على عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، في حين تشهد الساحة الإيرانية تصاعدًا لتيار يرفض التعويل على أيّ تعهدات أميركية بوقف العمليات العسكرية. وهذا التيار يرى أنّ واشنطن لا تستهدف التفاوض بقدر ما تسعى إلى فرض الاستسلام على إيران، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الموقف الأخير أصبح أكثر تأثيرًا داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، بما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة، وينذر بإطالة أمد الحرب".
وحذر الباحث في العلاقات الدولية والمستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية، من احتمال اتساع التداعيات الإقليمية إذا استمرت الضربات الأميركية، وعدم التوصل إلى تسوية نهائية.






