"لن يذهبوا إلى أيّ مكان... إنهم هنا ينتظرون توقف الحرب"، هذا ما قاله يوسف الشاب الفلسطيني الذي يقطن بأحد مخيمات غزة لصحيفة "فايننشال تايمز"، للتعبير عن وضع "حماس" الراهن في القطاع، خصوصًا بعد اغتيال زعيم الحركة يحيى السنوار على يد الجيش الإسرائيلي الشهر الماضي.
ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن الهجوم الإسرائيلي الذي بدأ بعد هجمات "حماس" على شمال إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، أدى إلى تدمير 23 من بين 24 كتيبة تابعة للحركة، الأمر الذي أدى إلى تقليصها من مجرد مجموعة ذات بنية عسكرية قادرة على إطلاق آلاف الصواريخ على طول الطريق إلى تل أبيب، إلى خلايا صغيرة تشبه خلايا حرب العصابات. ويبدو أن هذه الخلايا تعمل بشكل مستقل وتحاول إعادة تجميع صفوفها بطرق مفاجئة، بما في ذلك ما حدث مؤخراً في مخيم جباليا للاجئين في شمال غزة.
"حرب عصابات"
لكن "حماس" كانت دائماً أكثر من مجرد قوة شبه عسكرية مهيبة، وهي جزء من النسيج الاجتماعي الفلسطيني الذي يدير بشكل رسمي وغير رسمي مجموعة متنوعة من الوزارات والخدمات الاجتماعية.
وتقول الصحيفة إن ما تبقى الآن هو بقايا ضعيفة للغاية ولكنها لا تزال صامدة. فبعد طرد حركة "فتح" الفلسطينية المنافسة من غزة عام 2007، ذهبت العديد من الوظائف في الوزارات المعنية بتقديم الخدمات الاجتماعية إلى أشخاص تربطهم علاقات سياسية وليس عسكرية بحماس، الأمر الذي سمح للجماعة بالتورط بشكل عميق في الحكم.
واليوم، وعلى الرغم من قصف مكاتبهم وتشتت موظفيهم، فإن الناجين منهم يديرون شكلاً من أشكال الحكومة المنهكة وغير الفعالة ولكن الواضحة، في حين يتحول الذراع العسكري المحطم إلى حركة "حرب عصابات".
وفي المقابلات التي أجريت معهم، وصف سكان غزة مثل يوسف ومسؤولون عسكريون إسرائيليون ومحللون ما تبقى من "حماس" بأنها لاعب قوي إلى حد كبير في أنقاض غزة، وأنها على استعداد للعودة إلى الحياة بمجرد انسحاب إسرائيل.
يقول عمر شعبان، مؤسس مركز "بال ثينك" للدراسات الإستراتيجية، وهو مركز أبحاث مقره غزة: "إنهم حركة، ولديهم مؤسسات، وسوف يستغرق الأمر بعض الوقت للتعافي، ولكنهم لن يندثروا. بالطبع، لا يمكنهم السيطرة على المجتمع وتقديم الخدمات كما هو متوقع، لكنهم ما زالوا هناك وهم يحاولون الحفاظ على بعض أدوارهم في الحياة المدنية".
ويأمل الدبلوماسيون الأميركيون والإقليميون أن يؤدي مقتل السنوار إلى إيجاد فرصة لوقف إطلاق النار على المدى الطويل لإنهاء الحرب وتحرير الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في غزة. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو رفض الشروط، بحجة أنها ستترك في الواقع ما تبقى من "حماس" مسؤولاً عن ما تبقى من غزة.
يقول مسؤول عسكري إسرائيلي "فقدوا قدراتهم العسكرية، وفقدوا سلسلة قيادتهم، لكنهم ما زالوا في غزة، وما زالوا يتمتعون بقدرات إدارية... تفكيك القوة العسكرية أسهل من تفكيك القدرة الإدارية".
"حماس" أقوى من رجل واحد
وأضاف أن "خسارة السنوار ستساعد في ذلك، لكن حماس أقوى من رجل واحد".
وفي حين يلقي العديد من سكان غزة باللوم على "حماس" فيما يعتبرونه مغامرة متهورة استفزت الهجوم الإسرائيلي، فإن الحركة تظل الفصيل الفلسطيني الأكثر شعبية حتى الآن.
وعلى الرغم من أن الدعم يبدو آخذاً في التضاؤل مع استمرار الحرب، فإن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين يعتقدون أن هجوم السابع من أكتوبر جعلهم أقرب إلى الدولة الفلسطينية من خلال إعادة معاناتهم إلى الساحة العالمية، وفقاً لتقرير مركز استطلاعات الرأي الفلسطيني ومقره رام الله.
وخارج غزة والضفة الغربية، ظلت "حماس" بمنأى إلى حد كبير عن أي تأثير. وعلى الرغم من اغتيال الزعيم السياسي إسماعيل هنية أثناء زيارة إلى طهران في وقت سابق من هذا العام، فإن الحركة لديها مكاتب في الدوحة، وتعقد مؤتمرات صحفية في بيروت وإيران، ويسافر مبعوثوها إلى عواصم العالم لإجراء محادثات، بما في ذلك إلى بكين في يوليو.
يقول مايكل ميلشتاين، المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي السابق والخبير في الشؤون الفلسطينية في جامعة تل أبيب: "يمكنك إلحاق الضرر بهم ولكن لا يمكنك إجبارهم على رفع الراية البيضاء. يمكنك تحطيم رؤوسهم، كما فعلنا مع السنوار، ولكن دعونا نعترف بذلك... في غزة نحن لا نقترب من الهدف الذي حددته الحكومة في بداية الحرب".
وتابع "حتى بعد أن عانوا من أضرار غير مسبوقة، فإنهم لا يزالون اللاعب المهيمن في غزة، ولا يزالون يتمتعون بقدرات عسكرية أساسية".
آلة "حماس" تتكاثر
في مقابلة، قال مقاتل من "كتائب القسام" التابعة لـ"حماس" أصيب مؤخراً إن الحركة كانت مستعدة لمثل هذه اللحظة بالذات الاختفاء من ساحة المعركة التي تميل لصالح الجيش الإسرائيلي المدجج بالسلاح، والعودة إلى الظهور كقوة حرب عصابات تضايق وتقتل جنوداً من قوات الدفاع الإسرائيلية، مما يؤدي ببطء إلى استنزاف قوة إرادة إسرائيل.
وقال إن "حماس" كانت مجهزة تجهيزاً جيداً لمقاومة طويلة الأمد، لأنها كانت تعتمد على الأسلحة الخفيفة، وكميات صغيرة من العبوات الناسفة، وفرق صغيرة تتألف من ثلاثة إلى خمسة مقاتلين يعملون بسرعة ويختفون وسط أنقاض غزة. كما تمتلك حماس جبالاً من النقود، حتى أنها سرقت عشرات الملايين من الدولارات من البنوك الفلسطينية.
لقد أصبحت قدرة "حماس" على محاربة حرب العصابات في المؤخرة واضحة بشكل متزايد، فقد قُتل عقيد إسرائيلي مؤخراً في انفجار على مشارف جباليا خلال الهجوم الرابع الذي يشنه جيش الدفاع الإسرائيلي على مخيم اللاجئين منذ بدء الحرب.
وقال مسؤول عسكري إسرائيلي ثان إن القتال هناك كان عنيفًا وقد يستمر لأسابيع عدة أخرى. وأضاف خلال إفادة صحفية هذا الأسبوع أن القتال قد يمتد إلى أجزاء أخرى من شمال غزة.
يقول إبراهيم دلالشة، رئيس مركز هورايزون للأبحاث في رام الله إن "آلة حماس تتكاثر. هذا الصراع لا يتعلق بالشخصيات، بل يتعلق ببدء عملية جديدة تستفيد من القضاء على السنوار". ويضيف: "أنا كبير السن بما يكفي لرؤية شخصيات ترتفع وتهبط على مدى سنوات عديدة، من خلال الانتفاضات والصراعات".