"يعتقد العالم بأسره أننا لسنا أكثر من سجن"، يقول أحد أبناء صيدنايا وهو ينظر إلى الجبال والوديان المحيطة بالمدينة الواقعة في ريف دمشق. لكنّ صيدنايا، بالنسبة لأهلها، لم تكن يوما مجرد اسم ارتبط بسجن عسكري؛ فهي مدينة دينية وتاريخية عُرفت لعقود بأنها وجهة للحجاج والزوار والمصطافين.
تحاول صيدنايا اليوم، أن تستعيد صورتها القديمة، وأن تقدم نفسها من جديد كمدينة للأديرة والكنائس والمطاعم والأسواق والمتنزّهات، لا كعنوان للسجن الذي حمل اسمها إلى أنحاء العالم.
ويقع سجن صيدنايا العسكري، المعروف رسميا باسم السجن العسكري الأول، بالقرب من المدينة، وقد افتُتح في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
ومع مرور السنوات، أصبح السجن معروفا على نطاق واسع، بسبب ما وثقته تقارير حقوقية وشهادات ناجين من انتهاكات جسيمة وقعت داخله خلال حكم النظام السابق.
ومثل سوريا بأكملها، تبحث صيدنايا عن بداية جديدة. عادت الحركة إلى شوارعها تدريجيا، وبدأ الزوار بالوصول مجددا، فيما يحاول أبناء المدينة والعاملون في قطاع السياحة، إعادة إحياء نشاط كان يوما جزءا أساسيا من حياتها الاقتصادية والاجتماعية.
لكنّ الطريق إلى استعادة مكانتها ليس سهلا. فصيدنايا تحمل إرثا دينيا يمتد لقرون، وفي الوقت نفسه تحمل ذاكرة حديثة وثقيلة ارتبطت بالسجن العسكري القريب منها.
من 100 ألف زائر إلى آلاف اليوم
يقول مؤسس فريق صيدنايا السياحي فارس الزهر، إنّ السياحة كانت قبل عام 2011 جزءا أساسيا من اقتصاد المدينة، مستفيدة من موقعها وقربها من دمشق ومكانتها الدينية والتاريخية.
لم تكن زيارة دير سيدة صيدنايا هي النشاط الوحيد للزوار، إذ كانت الحركة السياحية تنعكس على الفنادق والمطاعم والمتنزّهات والأسواق ووسائل النقل، فيما كانت المدينة تستقبل زوارا من مختلف أنحاء سوريا، ومن لبنان ودول أوروبية عدة.
وكانت الاحتفالات والمناسبات الدينية، خصوصا خلال شهري أغسطس وسبتمبر، تشكل ذروة الموسم السياحي.
أما اليوم، فيقول إلياس نبيل عازر، مؤسس مركز صيدنايا للدراسات والأبحاث، إنّ المدينة بدأت تستعيد نشاطها تدريجيا، وتستقبل آلاف الزوار خلال عطلات نهاية الأسبوع والمناسبات الدينية.
ولا توجد، بحسب عازر، إحصاءات رسمية دقيقة لعدد السياح الذين يقصدون صيدنايا سنويا، إلا أنه يقدّر عدد سكان المدينة حاليا بما بين 25 و30 ألف نسمة، مع وجود نسبة كبيرة من أبنائها في الاغتراب.
ويشير إلى أنّ عيد السيدة العذراء، الذي يقام سنويا في سبتمبر، كان يستقطب قبل الحرب أكثر من 100 ألف زائر خلال أيام الاحتفال، وفق تقديره.
منشآت سياحية تحاول استعادة نشاطها
بحسب عازر، كان عدد الفنادق والمطاعم والمقاهي والمتنزّهات العاملة في القطاع السياحي قبل الحرب، يقدّر بنحو 25 منشأة، بينما يصل العدد حاليا إلى نحو 30 منشأة، إضافة إلى تراخيص جديدة قيد الاستصدار.
ولا تعتمد السياحة في صيدنايا على الجانب الديني وحده. فبعض الزوار يقصدون المدينة للاستراحة وتناول الطعام أو زيارة المتنزّهات، فيما يختار آخرون الإقامة فيها لأيام عدة، مستفيدين من طبيعتها الجبلية وقربها من دمشق.
لكنّ هذه الأرقام تبقى تقديرات محلية، في ظل غياب بيانات رسمية منشورة تحدد عدد الزوار أو حجم العائدات السياحية، ما يجعل من الصعب قياس حجم التعافي بدقة مقارنة بالفترة التي سبقت عام 2011.
ويرى الزهر أنّ استعادة النشاط السياحي يحتاج إلى تطوير الخدمات والمرافق وتحسين ظروف استقبال الزوار، إلى جانب الحفاظ على المواقع الدينية والتاريخية التي تشكل أساس جاذبية المدينة.
إرث ديني يتجاوز دير سيدة صيدنايا
في قلب صيدنايا يقف دير سيدة صيدنايا، أحد أبرز معالم المدينة ووجهاتها الدينية، والذي يقصده الحجاج والزوار، خصوصا خلال الاحتفالات التي تقام في أغسطس وسبتمبر.
لكنّ هوية صيدنايا الدينية لا تُختصر بالدير وحده. فالمدينة تضم عددا من الكنائس والأديرة والمواقع التاريخية، من بينها كنيسة القديس كريستوفوروس، وكنيسة القديس بطرس، ودير مار توما ودير الشيروبيم.
ويقول عازر إنّ هذا الإرث يمنح صيدنايا فرصة لتطوير سياحة ثقافية وتاريخية، تتجاوز الزيارة الدينية التقليدية، وتتيح للزائر اكتشاف المدينة بوصفها مكانا له تاريخ وطبيعة وهوية خاصة.
كما أنّ موقعها الجبلي وقربها من العاصمة، يجعلان منها وجهة مناسبة للرحلات القصيرة والإقامة خلال عطلات نهاية الأسبوع.
ويرى الزهر أنّ تطوير السياحة يحتاج إلى ربط المواقع الدينية بالمطاعم والأسواق والمرافق السياحية، بحيث لا تنتهي رحلة الزائر عند موقع واحد، بل تمتد لاكتشاف المدينة بأكملها.
الاغتراب.. صلة مستمرة بالمدينة
ولا تأتي الحركة في صيدنايا من السياح وحدهم
فنسبة كبيرة من أبناء المدينة يعيشون في بلدان الاغتراب، ويعود بعضهم خلال الأعياد والمناسبات الدينية، ما يضيف إلى الحركة السياحية بعدا اجتماعيا وعائليا.
ويشير عازر إلى أنّ المواسم الدينية تشكل فرصة لعودة أبناء المدينة إلى منازلهم ولقاء أقاربهم، والمشاركة في الاحتفالات وزيارة الأماكن التي ارتبطوا بها منذ الطفولة.
وبذلك، لا تمثل عودة الزوار بالنسبة لصيدنايا عودة السياحة فقط، بل عودة جزء من الحياة الاجتماعية التي تراجعت خلال سنوات الحرب.
السجن.. الاسم الذي غيّر صورة المدينة
لكن خلف هذه الصورة الدينية والسياحية، هناك اسم آخر التصق بصيدنايا على مدى عقود: السجن العسكري القريب منها، المعروف على نطاق واسع باسم "سجن صيدنايا"، بينما يحمل في السجلات الرسمية اسم "السجن العسكري الأول".
افتُتح السجن في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وأصبح لاحقا واحدا من أبرز المواقع المرتبطة بانتهاكات جسيمة خلال حكم النظام السابق، وفق تقارير حقوقية وشهادات ناجين.
ومع انتشار التقارير والأفلام الوثائقية التي تناولت ما جرى داخله، أصبح اسم صيدنايا معروفا عالميا في سياق مختلف تماما عن صورتها الدينية والتاريخية.
ويقول عازر إنّ ارتباط اسم السجن بالمدينة، رغم عدم تبعيته الإدارية لها بحسب قوله، ألحق ضررا بصورة صيدنايا السياحية.
ففي السابق، كانت المدينة تدخل ضمن برامج سياحية تجمع بينها وبين معلولا ومواقع دينية وتاريخية أخرى في سوريا، فيما كان الزوار يقصدونها من لبنان ودول أوروبية عدة.
لكنّ الزهر يرى أنّ الحرب والظروف الأمنية والاقتصادية كانت العامل الأبرز في انهيار الحركة السياحية، معتبرا أنّ ارتباط اسم المدينة بالسجن أصبح لاحقا جزءا من الصورة التي التصقت بها.
ولا تتوافر بيانات مستقلة تسمح بقياس حجم التأثير الذي تركه اسم السجن تحديدا على أعداد الزوار أو اقتصاد المدينة.
مدينة تحاول أن تستعيد اسمها
اليوم، تقف صيدنايا بين صورتين: مدينة دينية وتاريخية تريد أن تستعيد زوارها، ومدينة ارتبط اسمها بواحد من أكثر السجون إثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث.
عودة الحركة إلى الشوارع وازدياد عدد المنشآت العاملة، يمنحان المدينة فرصة لإعادة بناء قطاعها السياحي، لكنّ استعادة مكانتها تحتاج إلى أكثر من عودة الزوار في مواسم محددة.
تحتاج المدينة إلى خدمات أفضل، وبنية سياحية أكثر تنظيما، وإلى تحويل إرثها الديني والتاريخي والطبيعي إلى تجربة متكاملة يمكن أن تستمر طوال العام.
وفي الوقت نفسه، يبقى إرث السجن جزءا من الذاكرة السورية التي لا يمكن محوها أو تجاهلها، كما لا ينبغي أن تختزل صيدنايا كلها في هذا الإرث.
وقال شاب سوري يفكر في زيارة المدينة، "أريد أن أذهب إليها لأرى صيدنايا التي كان أهلي يحدثونني عنها"، مضيفا، "أريد أن أرى الأديرة والجبال والشوارع، وأفهم بنفسي كيف يمكن أن تجتمع كل هذه القصص في مكان واحد".
وربما تختصر هذه الرغبة ما تبحث عنه صيدنايا اليوم: أن يأتي الزائر إليها ليرى بأم عينيه مدينة كاملة، بتاريخها الديني والثقافي والطبيعي، وذاكرتها الثقيلة أيضا، لا أن يأتي إليها بحثا عن سجن حمل اسمها.



