بينما تستعد تركيا للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، لا تزال النتيجة غير مؤكدة، فعلى الرغم من ميل الدفة نحو الرئيس المنتهية ولايته رجب طيب إردوغان، بعد أن فاز بالجولة الأولى بنحو 5% من الأصوات، تاركا خصمه كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب "الشعب الجمهوري" المعارض، مع فجوة كبيرة لسدها.
ومع ذلك، فقد تحول المشهد السياسي خلال الأيام القليلة الماضية مع ظهور تحالفات جديدة من جهة، وخلافات داخل الأحزاب من جهة أخرى، مما جعل التنبؤات أصعب.
وأعلن المرشح الرئاسي لتحالف أجداد (ATA) سنان أوغان، عن دعمه لإردوغان في الجولة الثانية، قائلا إن "المعارضة لم تتمكن من إقناع الشعب التركي في الجولة الأولى"، معتبرا أن "الرئيس والبرلمان يجب أن يكونا متوافقين".
وبعدها بيومين، أعلن زميل أوغان السابق وزعيم حزب الظفر (النصر) اليميني المتطرف الذي انشق عن تحالف "أجداد"، أوميت أوزداغ، تأييده لكليجدار أوغلو، على الرغم من الخلافات القائمة بين أوزداغ وأحد أهم الأحزاب في تحالف كليجدار أوغلو المكون من 6 أحزاب، وهو حزب الشعوب الكردي.
تعزيز فرض إردوغان
إضافة إلى ذلك، تعصف الاستقالات بحزب "المستقبل" الذي هو جزء من تحالف كليجدار أوغلو، حيث استقال 11 مسؤولا في الحزب خلال الأيام الماضية.
فكيف ستؤثر خرائط التحالفات الجديدة والخلافات هذه في نتاج جولة الإعادة المقررة غدا الأحد؟ وهل تُعزز فرص كليجدار أوغلو أم أنها تدفع إردوغان لمزيد من الانتصار؟ خصوصا في ظل ارتفاع نسبة تصويت الأتراك في الخارج، إذ تحدثت تقارير عن أن عداد الناخبين جاء أعلى بكثير من الجولة الأولى.
لفهم ما يدور حقا خلف الكواليس، يوضح الكاتب والباحث في الشأن التركي محمود علوش في حديث مع منصة "المشهد"، أن "أهم ما يُميّز جولة الإعادة هو تشتت الأصوات القومية المتشددة بين إردوغان وكليجدار أوغلو بفعل دعم أوغان لإردوغان ودعم أوميت أوزداغ لكليجدار أوغلو، وهذا التشتت بطبيعة الحال يجعل الكتلة القومية المتشددة أقل تأثيرا مما كان الحال عليه لو كانت موحدة في القرار، وهو ما يعني أمرين أساسيين:
- هذا التشتت سيخدم إردوغان بقدر أكبر من كليجدار أوغلو، لأن الأول يحتاج إلى أقل من 1% من الأصوات من أجل ضمان الفوز إذا ما أخدنا بعين الاعتبار نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، ولأن كليجدار أوغلو بحاجة إلى استقطاب كل هذه الكتلة القومية المتشددة من أجل تحسين فرصه بالفوز وهي 5.17% وهذا الأمر يبدو صعب للغاية.
- التحالف الذي دخله كليجدار أوغلو مع حزب "النصر" ربما يساعده في استقطاب ما يقرب من 2.4% من الأصوات القومية المتشددة وهي الكتلة الصلبة لحزب النصر لكنه في المقابل قد يؤدي إلى خسارة بعض الأصوات الكردية التي دعمت كليجدار أوغلو في الجولة الأولى بسبب الخطاب القومي المتشدد.
ومن الواضح، كما يقول علوش، إن كليجدار أوغلو يواجه صعوبة في الموازنة بين المحافظة على الصوت الكردي من جهة، وبين استقطاب الأصوات القومية المتشددة في جولة الإعادة من جهة أخرى، وبالتالي أعتقد أن هندسة التحالفات الحزبية الجديدة في جولة الإعادة تصب في مصلحة إردوغان.
خيبة أمل كليجدار
أما أستاذ العلاقات الدولية برهان كور أوغلو فيقول لـ"المشهد" إن "التحالفات الجديدة بين تحالفي الشعب والنصر من طرف وبين أوغان والتحالف الجمهوري لإردوغان من ناحية أخرى لن تغير المعادلة بين الطرفين، بل العكس، فبعد الجولة الأولى أصبح هناك نوع من خيبة الأمل عند كليجدار أوغلو بسبب تخلفه بـ4 نقاط وكذلك أصبح هناك توجه جديد لإردوغان بسبب نجاح التحالف الجمهوري في البرلمان، وهذا سيؤثر على أصوات إردوغان بشكل إيجابي".
وفيما يخص حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يرى علوش أنه في موقف حرج للغاية، فإنه "من جهة يريد أن يدفع الناخبين الأكراد إلى التصويت لصالح كليجدار أوغلو في جولة الإعادة، على الرغم من خطابه القومي المتشدد، ومن جهة أخرى يحرص على عدم إبداء اندفاع في دعم كليجدار أوغلو على غرار ما كان عليه في الجولة الأولى".
ويشير علوش في حديثه لـ"المشهد" إلى أن "هذا الأمر ينطوي على صعوبات عديدة، لكن التحدي الأساسي الذي يواجه الحرب الكردي في جولة الإعادة هو إقناع الناخبين الأكراد للتصويت بكثافة في الجولة الثانية على غرار ما كان عليه في الجولة الأولى، من أجل دعم مرشح المعارضة كليجدار أوغلو. لذلك أعتقد أن الصوت الكردي في جولة الإعادة ربما يكون أقل تأثيرا مما كان عليه في الجولة الأولى".
ويضيف علوش أنه في الجولة الأولى "لم يكن تحالف الأكراد حاسما على عكس الاعتقاد الذي كان سائدا قبل انتخابات 14 مايو، لاعتبار أساسي وهو أن انتخابات 14 مايو أظهرت تراجعا مفاجئا بنسب التصويت لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي إلى 8.8% بعدما كان في آخر انتخابات تشريعية في عام 2017 يضاهي 11.7%، وبالتالي هناك تراجع نسبته 3% وهذا التراجع أربك حسابات كليجدار أوغلو لأنه كان يراهن على أن التحالف مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي سيجلب له على الأقل ما يقرب من 12% من الأصوات".
من جانبه، يرى برهان أن "دعم حزب الشعوب الديمقراطي لكليجدار قد لا ينعكس بالضرورة على تصويت الناصرين لهذا الحزب من الأكراد، لأن حزب النصر لديه موقف قومي متشدد وهو غير مرغوب لدى أنصار حزب الشعوب، كذلك فإن هناك العديد من الأكراد غير القوميين وهؤلاء سيستمرون في دعم إردوغان للجولة الثانية".
أزمة داخل جبهة المعارضة
وعن الاستقالات التي طالت حزب "المستقبل" وتأثيرها على نتائج الإعادة، يقول علوش إن "حزب المستقبل لديه تأثير صغير في المعادلة الانتخابية لأنه حزب لا أعتقد لديه قاعدة تصويتية كبيرة ولم نستطع أن نكتشف هذه القاعدة التصويتية في الانتخابات لأن حزب المستقبل دخل ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري ومن دون شعاره الخاص، لكن هذه الاستقالات تشير إلى الأزمة التي تعيشها جبهة المعارضة على وجه التحديد، خصوصا الأحزاب المحافظة التي هي الآن مُحرجة أمام ناخبيها بسبب الخطاب القومي المتشدد لكليجدار أوغلو في جولة الإعادة، وهو ما يخدم إردوغان".
في المقابل، يقول برهان في حديثه مع "المشهد" إنه "حتى في الجولة الأولى لم يدعم أنصار حزب المستقبل كليجدار أوغلو بسبب الخلافات الأيديولوجية وخلافات سابقة بين كليجدار أوغلو وزعيم الحزب أحمد داود أوغلو"، مضيفا "صحيح أن الأخير وقف مع كليجدار أوغلو ولكن هذا قد لا يُقنع أنصار حزب المستقبل، بالإضافة إلى أن هذا الحزب أصواته قليلة".
لكن برهان يرى أن هناك معضلة أكبر من ذلك موضحا أن "حصول حزب المستقبل وحزب الدعوة وحزب السعادة على كراسي داخل البرلمان من خلال الحزب الجمهوري هذا سيكون له صدى سلبيا بعد الجولة الثانية بين الحزب الجمهوري وبين هذه الأحزاب الصغيرة المنشقة بعضها من حزب العدالة والتنمية وبعضها كانت أحزابا نوعا ما إسلامية".
وفيما يخص مسألة التصويت في الخارج، التي جاءت أكثر من الجولة الأولى على خلاف ما يحدث في العادة، فيرى الباحث في الِشأن التركي محمود علوش أن إردوغان "عادة ما يحصل على نسب دعم كبيرة في تصويت المغتربين الأتراك في الخارج، وارتفاع هذه النسبة بلُغة الحسابات تعني أن إردوغان يستفيد من الإقبال المتزايد في الخارج في جولة الإعادة، ولكن لا يمكن الجزم بطبيعة الحال، وفيما يتعلق بالتصويت الداخلي فالتحدي الأكبر هو كيفية حشد الناخبين الذين دعموه في الجولة الأولى أيضا للتصويت في جولة الإعادة".
وهو ما أكد عليه برهان مشيرا إلى أن "أصوات الخارج ونسبة الخارج دائما تكون لصالح حزب العدالة والتنمية الحاكم أو تحالف إردوغان بشكل تقليدي، لذا فإن زيادة التصويت تدل على قرب تأكيد انتصار إردوغان".