hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 "ملوثة ومالحة".. أزمة المياه تدفع غزة نحو كارثة إنسانية غير مسبوقة

المشهد - القدس

الماء أضحى في غزة أغلى من الذهب ولم يعد سلعة بل معجزة (رويترز)
الماء أضحى في غزة أغلى من الذهب ولم يعد سلعة بل معجزة (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • رئيس اتحاد بلديات غزة: غزة تموت عطشا وأغلبية العائلات بلا ماء صالح.
  • تراجع المساعدات يفاقم الأزمة الإنسانية بغزة ويهدد بعودة المجاعة.
  • غزيون لـ"المشهد": نشرب ماء البحر والمياه الملوثة والأمراض المعدية منتشرة.

تفاقمت أزمة المياه النظيفة لتتجاوز في خطورتها أزمة الغذاء، في قطاع غزة، ليصبح العطش التهديد الأكثر إلحاحا لحياة أكثر من مليوني فلسطيني.

وتؤكد تقارير أممية ودولية حديثة انهيار نحو 95% من محطات تحلية المياه والضخ والصرف الصحي، وسط تحذيرات من كارثة صحية وبيئية وشيكة قد تودي بحياة الآلاف، ليس فقط بسبب القصف، بل أيضًا نتيجة نقص المياه الصالحة للشرب وتلوثها المتزايد.

طفل صغير لا يتجاوز عمره الـ8 يحمل غالوناً بلاستيكياً ممزقاً أكبر من حجم جسده النحيل، عيناه الغائرتان تلمعان ببصيص أمل خافت خلف صهريج مياه لعله يحصل على لتر واحد من ماء لا يعرف إن كان سيشفيه أم يمرضه، وليس بعيدا عنه، أمه تجلس على ركام منزل كانت تسميه وطنا، تداعب رأس طفلتها المصابة بالتهابات جلدية بسبب الاستحمام بالمياه المالحة، وتهمس: "أتمنى الحصول على المياه النظيفة قبل الخبز والطعام".

في قطاع غزة، العطش يسبق الجوع، الأطفال والأهالي يموتون عطشا قبل أن يموتوا جوعا، ولم يعد السؤال المطروح "ماذا سنأكل؟" بل أصبح "هل سنشرب ماءً نظيفاً اليوم؟"، فالبحث عن الماء أصبح يتقدم البحث عن الخبز، والموت بالمياه الملوثة والجفاف أضحى أسرع وأكثر إيلاما من الموت بغياب الطعام، إنها مرحلة جديدة من الكارثة الإنسانية، حيث العطش هو القاتل الصامت، والجوع يحاصرهم في معركة البقاء.

غزة تذبل.. وقطرة الماء حلم

أضحى الماء في غزة أغلى من الذهب، فلم يعد سلعة بل معجزة، بعد أن دمرت الحرب الإسرائيلية على القطاع كل محطات التحلية ومحطات الضخ، فلم يعد أمام أكثر من مليوني إنسان سوى مياه الآبار المالحة أو الملوثة بمياه الصرف الصحي، الأطفال يصابون بالجفاف قبل الجوع، وكبار السن ينهارون بسبب الأمراض المنقولة بالمياه، فيما التقارير الميدانية تحذر أن الوفاة بسبب العطش والأمراض المرتبطة به باتت أقرب من المجاعة.

وفي هذا الشأن، رصدت منصة "المشهد" مشاهد إنسانية قاسية تعكس عمق الكارثة، الأربعينية سهى المجدلاوي نازحة في مدينة غزة، تروي لـ"المشهد" بصوت مبحوح بالكاد يُسمع، "منذ أسابيع عدة أشرب المياه أنا وعائلتي وأطفالي من بئر مالحة قريبة على مدرسة النزوح التي نعيش فيها، طعم المياه مالحة وغير نظيفة"، وتضيف قائلة: "أصيب أطفالي بالإسهال الشديد من المياه الملوثة، وقد وصلوا لمرحلة صعبة بفعل الجفاف، في ظل نقص الأدوية والمستلزمات الأساسية".

يعيش الستيني أبو أشرف الخالدي النازح في مواصي خانيونس، معاناة يومية للحصول على مياه الشرب، يقول: "أستيقظ مبكراً لتجهيز الغالونات الفارغة من أجل الذهاب للوقوف في طابور انتظار شاحنة المياه، على أمل العودة بالغالونات ممتلئة، في معظم الأيام أعود لأسرتي بلا مياه"، ويشكو بنبرة حزينة، بأن الموت يحاصر أهالي قطاع غزة من كل اتجاه، "أعاني أمراض الضغط والسكري، أحتاج مياها صحية، وأدوية، وغذاء مناسبا، لكن كل هذا مفقود، وتفاصيل حياتنا جحيم يومي لا يطاق".

وسط طوابير النازحين الذين يبحثون عن قطرة ماء، صرح رئيس اتحاد بلديات غزة، د. يحيى السراج لـ"المشهد"، أن أزمة المياه تضع العائلات الفلسطينية في قطاع غزة أمام خيارات يومية صعبة بين الشرب والنظافة والوقاية من الأمراض، في ظل ارتفاع متصاعد ومقلق في الأمراض الجلدية المرتبطة بالاكتظاظ وسوء النظافة، ومنها مرض الجرب، ومع دخول فصل الصيف، تزيد موجات الحر من هذه المخاطر، فالخيام المكتظة تصبح بيئة تساعد على انتشار الأمراض، خصوصا بين الأطفال وكبار السن والمرضى، في ظل غياب وسائل التبريد، ونقص المياه النظيفة، وتراجع خدمات النظافة العامة.

المجاعة تتربص بالغزيين

يشهد قطاع غزة تراجعاً ملموساً في عدد شاحنات المساعدات الإنسانية، فضلاً عن توقف نشاط العديد من المؤسسات الإغاثية الدولية، ويعيش الأهالي واحدة من أشد كوارث الجوع فظاعة في العصر الحديث، ويدفع الأبرياء أطفالاً ونساءً وشيوخاً الثمن غالياً بأرواحهم وأمعائهم الخاوية.

بدوره، يؤكد مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة، أمجد الشوا، لـ"المشهد"، أن "المجاعة آخذة بالتوسع ليس بفعل نقص الغذاء فحسب، وإنما نتيجة فقدان القدرة على الوصول إليه، فبشكل يومي يقف الأهالي على الطوابير الطويلة للحصول على رغيف الخبر، كذلك الماء، في حين توقفت أغلبية التكايا الخيرية والمطابخ المجتمعية التي كانت تشكل شريان الحياة للآلاف من النازحين، مع ارتفاع أسعار السلع المتوفرة في الأسواق إلى مستويات تفوق قدرة غالبية الأسر".

وشدد الشوا أن "جيلاً كاملاً مهدد بسوء التغذية الحاد إذا استمر الوضع الراهن، فنحن لم نعد نتحدث عن جوع عابر، بل عن مجاعة حقيقية تودي بحياة الأطفال وكبار السن يومياً، نحتاج إلى ضمان إيصال المساعدات بشكل آمن ومستدام، فالقطاع يشهد أسوأ مستويات الجوع في التاريخ الحديث، حيث أن أكثر من 90% من السكان يعانون نقصا حادا في الغذاء، فيما المساعدات التي تدخل القطاع لا تغطي سوى 10% من الاحتياجات اليومية".

داخل خيمة في مركز الإيواء في دير البلح، تروي النازحة الخمسينية أروى النجار لـ"المشهد" مشهدا يومياً من العذاب، تقول بصوت متعب، "لقد مر يومان وأفراد عائلتي لم يحصلوا على الطعام والماء إلا بكميات قليلة جداً لا تكفي ولا تشبع، ناهيك عن الأمراض المنتشرة بين النازحين، وعدم توفر العلاج والأدوية"، وتضيف قائلة، "الأوضاع صعبة، ولا نجد طعاماً نأكله تقريباً، فالتكايا ومصادر المساعدات توقف معظمها، ولا يصلنا أي شيء، لكن القصف والموت في كل مكان".

بيد ترتجف من شدة الضعف، وبصوت يكسوه الوهن، يصف الستيني عفيف حمدونة واقعاً أكثر قسوة، ويقول لـ"المشهد": "توقفت تكية الطعام التي كانت تزود سكان مخيم جباليا، وهذا فاقم أوضاعنا المعيشية أكثر مما هي عليه، نطهو طعاماً بسيطاً لا يكفي العائلة، لكنه يبقينا على قيد الحياة، وفي معظم الأحيان تمر الأيام من دون طهي، وشاحنات المياه تأتي مرة كل أسبوعين أو 3، الأوضاع صعبة، نحن على حافة الإنهيار والموت".