في واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، يتحول مضيق هرمز إلى ساحة معركة خفية تحت الماء، حيث تهدد الألغام البحرية حركة الطاقة العالمية.
وبين غموض حجم ما زرعته إيران واستعدادات الولايات المتحدة لتمشيط القاع، تبرز معركة معقدة قد تستغرق أشهرا لتأمين واحد من أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
وأشار تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن إيران وحدها تعلم عدد الألغام التي زرعتها في مضيق هرمز، لكن مجرد احتمال قيامها بتلويث هذا الممر المائي الضيق بهذه الأسلحة الفتاكة يدفع الولايات المتحدة إلى البدء في الاستعداد لتمشيط قاع البحر بحثًا عنها.
وأضاف التقرير أن الأمر سيستغرق وقتًا أطول إذا انهار وقف إطلاق النار الهش بين طهران وواشنطن، واضطرت الولايات المتحدة إلى تنفيذ المهمة تحت "نيران العدو"، وقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار.
وقال المدير السابق للتدريب في قيادة الحرب المضادة للألغام والغواصات التابعة للبحرية الأميركية كيفن آير: "إنه سيناريو كارثي".
ويقدر أن "الأمر قد يستغرق شهراً ونصف لإنشاء طريق عبور آمن إلى الخليج، وما يصل إلى 4 أشهر لتطهير المضيق بالكامل".
مهمة إزالة الألغام
وأعلنت القوات الأميركية في وقت سابق من هذا الشهر بدء مهمة إزالة الألغام، وقال ترامب يوم الخميس إنه أمر البحرية الأميركية بـ"إطلاق النار على أي سفن إيرانية تقوم بزرع الألغام وتدميرها".
وصرح رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، يوم الأحد الماضي، بأن إيران "تصدت بحزم لمحاولات الولايات المتحدة إزالة الألغام"، التي اعتبرتها انتهاكًا لوقف إطلاق النار، وأضاف أن إيران تقدمت حتى "نقطة المواجهة، لكن العدو تراجع".
وسيتوقف الكثير على عدد الألغام التي تمكنت إيران من زرعها خلال معركتها التي استمرت 8 أسابيع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويقول مسؤولون أميركيون إن إيران زرعت بعض الألغام، لكن العدد قد يكون ضئيلاً، وأعلن الحرس الثوري الإيراني، وفقًا لوكالة "تسنيم"، أنه ينبغي على السفن تجنب الإبحار عبر منطقة محظورة في وسط مضيق هرمز، واستخدام طرق ملاحية بديلة تمر عبر المياه الإيرانية لتجنب الألغام.
وقد أدى إعلان إيران هذا الشهر أن المضيق سيكون "مفتوحًا بالكامل" خلال فترة وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان إلى اندفاع سفن لمحاولة الخروج من الخليج، متوقعةً السماح لها بالمرور عبر مسار محدد حددته إيران.
لكن بدلاً من ذلك، أطلق الحرس الثوري النار على عدة سفن، من بينها ناقلة نفط هندية وسفينة حاويات تابعة لشركة الشحن الفرنسية "CMA CGM"، مما أثار ارتباكًا حول ما إذا كان المضيق مفتوحًا أم لا، في حين أبقى ترامب الحصار البحري الأميركي ساريًا. وقد اضطرت غالبية السفن التي قررت محاولة العبور إلى العودة أدراجها، بحسب التقرير.
يُعتقد أن إيران كانت تمتلك مخزونًا قبل الحرب يتراوح بين 5000 و6000 لغم. وتتنوع هذه الألغام بين ألغام التلامس القديمة، المربوطة بحبل وتطفو تحت سطح الماء مباشرة، والألغام القاعية المتطورة المبرمجة للانفجار استجابةً لبصمات مغناطيسية وصوتية وضغطية محددة.
ستتحمل سفن القتال الساحلية العبء الأكبر من هذه المهمة، فهي تبحث عن الألغام باستخدام مروحيات مزودة بأشعة ليزر، وبإرسال مركبات غير مأهولة مزودة بأجهزة سونار وكاميرات وأجهزة كشف حساسة للمجال المغناطيسي.
لكن البحرية الأميركية لا تملك سوى سفينتين جاهزتين للعمل في المضيق، بينما تخضع سفينة ثالثة للصيانة في سنغافورة.
أهملت الولايات المتحدة قدراتها في مجال مكافحة الألغام لعقود، وكانت بصدد إخراج آخر كاسحات الألغام المتخصصة من الخدمة، على الرغم من أن الألغام مسؤولة عن غرق أو تعطيل ما يقرب من 80% من السفن الحربية الأميركية منذ عام 1945.
التصعيد ضد أوروبا
قد يفسر هذا القصور في القدرات سبب تصعيد ترامب لحملته للضغط على شركاء الولايات المتحدة في أوروبا، الذين يمتلكون أكثر من 100 سفينة لكشف الألغام وخبرة واسعة، للمساهمة في جهود تطهير المضيق.
وتجري مناقشات في أوروبا، التي لطالما مارست قواتها البحرية إزالة الألغام في بحر البلطيق وبحر الشمال، حول تشكيل بعثة مشتركة. لكن العديد من الدول مترددة في المساعدة على حل مشكلة لم يكن لها يد في خلقها.
ولن يكون الحل سريعًا أيضًا. فقد يستغرق تجهيز ونشر عملية أوروبية لإزالة الألغام ما يصل إلى 4 أشهر.
إذا لم يظهر الأوروبيون في الخليج، فقد تستعين واشنطن بقوة أخرى لمساعدة بحارتها المنهكين: الدلافين التي تبحث عن الألغام.
تم نشر هؤلاء السباحين المدربين تدريباً خاصاً، والمتمركزين في سان دييغو، خلال حملات سابقة لإزالة الألغام في الخليج عامي 1991 و2003. ومن الممكن استخدامهم في حملة إزالة الألغام بعد تحديد معظمها وتدميرها.