hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 من اللوفر إلى القاهرة.. قانون ماكرون يعيد إحياء معركة الآثار المهربة

آمال في مصر باستعادة آثارها من فرنسا رغم التعقيدات الزمنية (إكس)
آمال في مصر باستعادة آثارها من فرنسا رغم التعقيدات الزمنية (إكس)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • مسؤول مصري: إصدار القانون خطوة غير مسبوقة في السياسة الثقافية الفرنسية الحديثة.
  • تحول مهم في نظرة أوروبا إلى تراث الشعوب التي تعرضت للاستعمار.
  • مدير متحف الآثار: استفادة مصر من القانون الفرنسي تبدو أكثر تعقيدًا.

في خطوة تعدّ تحولًا مهمًا في ملف استرداد الممتلكات الأثرية والثقافية العالمية، أقدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على المصادقة على قانون جديد يهدف إلى تسهيل إعادة الأعمال الفنية والقطع الأثرية التي خرجت من بلدانها خلال فترات الاستعمار، وذلك بعد إقرار البرلمان الفرنسي لهذا القانون الذي خرج إلى النور بعد 9 سنوات من بدء النقاشات الرسمية بشأنه.

استرجاع الآثار المهربة إلى مصر

وينص القانون الفرنسي الجديد، على وضع إطار قانوني واضح، يسمح بإخراج بعض القطع الأثرية والفنية من المجموعات الوطنية الفرنسية وإعادتها إلى بلدانها الأصلية، شريطة إثبات أنّ هذه القطع قد نُهبت أو خرجت بطرق غير مشروعة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1815 و1972.

القانون الفرنسي هذا، يأتي في خضم جهود مكثفة تقودها مصر خلال الأعوام الأخيرة لاسترداد آثارها المسروقة والتي خرجت بطريقة غير شرعية وتُقدّر بآلاف القطع، وهو مثّل بارقة أمل كبيرة لدى الكثير من المصريين في استعادة إرثهم الأثري المنهوب في باريس، والذي يعدّ جزءًا لا يتجزأ من الهوية المصرية.

تحول أوروبي في نظرة التراث الاستعماري

ووصف مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية وعالم الآثار المصري الدكتور حسين عبد البصير هذه الخطوة في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد": بأنها تمثّل تحولًا مهمًا في نظرة أوروبا إلى تراث الشعوب التي تعرضت للاستعمار، كما تعكس تغيرًا واضحًا في الفكر السياسي والثقافي الفرنسي، تجاه قضية طالما أثارت جدلًا أخلاقيًا وتاريخيًا واسعًا، مشيرًا إلى أنّ القانون الجديد لا يتعلق فقط بإعادة بعض القطع الفنية أو الأثرية، بل يحمل دلالات أعمق ترتبط بالاعتراف التاريخي، والعدالة الثقافية، وحق الشعوب في استعادة ذاكرتها الحضارية.

وأكد أنه من الناحية الفكرية، فإنّ هذا التحول يعكس تغيرًا في مفهوم “المتحف العالمي”، ففي القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت القوى الاستعمارية الأوروبية ترى أنّ من حقها جمع تراث العالم داخل متاحفها الكبرى، باعتبارها “حامية الحضارة الإنسانية”، أما اليوم فقد بدأ العالم يعيد النظر في هذا المفهوم، وأصبح هناك إدراك متزايد بأنّ كثيرًا من هذه المقتنيات خرجت من أوطانها الأصلية في ظل علاقات غير متكافئة، فرضتها القوة العسكرية والسياسية والاستعمارية.

إزالة العقبات

ويمنح القانون الذي صادق عليه ماكرون الحكومة الفرنسية، صلاحيات أوسع لتسريع إجراءات إعادة القطع الأثرية، من خلال إصدار مراسيم حكومية مباشرة، بدل الاعتماد على المسارات التشريعية الطويلة والمعقدة التي كانت تستغرق سنوات في السابق، لذلك يقول عبد البصير، إنّ  فرنسا ظلت لسنوات طويلة تتمسك بمبدأ قانوني يعتبر مقتنيات المتاحف الوطنية جزءًا من الممتلكات العامة للدولة، وبالتالي لا يجوز التفريط فيها أو إعادتها، إلا عبر قانون خاص يصدر لكل حالة على حدة، وبالتالي كان هذا التعقيد القانوني يمثل عقبة كبيرة أمام الدول التي تطالب باسترداد تراثها المنهوب.

وأشار إلى أنّ القانون الجديد يفتح الباب أمام آليات أكثر مرونة، لإعادة القطع التي ثبت خروجها من بلدانها الأصلية في ظروف استعمارية أو غير عادلة، وهو ما يعدّ خطوة غير مسبوقة في السياسة الثقافية الفرنسية الحديثة.

متحف اللوفر

ومن جانبه، أثنى مدير إدارة أثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار المصرية الدكتور خالد سعد على هذه الخطوة، مؤكدًا أنّ فرنسا تضرب بهذا القانون مثالًا يُحتذى به في العلاقات الثقافية بين الدول، كاشفًا في حديثه لمنصة "المشهد"، أنّ فرنسا تمتلك واحدة من أكبر المجموعات الأثرية المصرية في أوروبا، خصوصًا داخل متحف اللوفر الذي يعدّ من أبرز المؤسسات التي تحتوي على آثار للحضارة المصرية خارج البلاد، حيث يضم عشرات الآلاف من القطع التي تمثل مختلف عصور الحضارة المصرية القديمة.

وذكر أنّ من أهم المحتويات الأثرية المصرية داخل متحف اللوفر الآتي:

  • تماثيل ملكية مثل رمسيس الثاني وأخناتون وأمنحتب.
  • تمثال الكاتب الجالس وهو من أشهر آثار الدولة المصرية القديمة.
  • أقسام متخصصة تعرض جوانب من الحضارة المصرية القديمة مثل النيل، والكتابة، والحرف، والملابس، والموسيقى.

دول تستفيد أكثر من القانون الفرنسي

ووفقًا لسعد، فإنّ دولًا إفريقية من المتوقع أن تستحوذ على النصيب الأكبر من هذا القانون، حيث من المرجح أن تكون الدول التي خضعت للاستعمار الفرنسي المباشر في غرب إفريقيا ووسطها، مثل بنين والسنغال ومالي والكاميرون وتشاد وساحل العاج، ستكون هي المستفيد الأكبر من القانون الفرنسي، لأنّ كثيرًا من مقتنياتها الثقافية نُقل إلى فرنسا خلال فترة الاستعمار التي يغطيها القانون بصورة واضحة.

ولفت المسؤول إلى أنّ قضية استعادة الآثار ليست مجرد قضية قانونية أو ثقافية، بل هي قضية هوية وذاكرة وكرامة حضارية، فالآثار ليست مجرد أحجار وتماثيل، بل هي سجل حيّ لتاريخ الشعوب ووعيها الحضاري، وبالتالي فإنّ استعادة أيّ قطعة أثرية إلى وطنها الأصلي، تمثل استعادة لجزء من الذاكرة الوطنية والإنسانية، وتأكيدًا على حق الشعوب في امتلاك تاريخها والحفاظ عليه للأجيال القادمة.

هل ستستفيد مصر؟

تساؤلات مصرية عديدة رافقت إصدار القانون الفرنسي، حول عما إذا كان يحق للقاهرة المطالبة بآثارها الموجودة في باريس من عدمه، وردًا على هذه التساؤلات، أوضح مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية الدكتور حسين عبد البصير، أنّ استفادة مصر من هذا القانون تبدو أكثر تعقيدًا مقارنة ببعض الدول الإفريقية الأخرى، موضحًا أنّ القانون الفرنسي حدد نطاقه الزمني بين عامي 1815 و1972، بينما وقعت الحملة الفرنسية على مصر بين عامي 1798 و1801، أي قبل الفترة الزمنية التي يغطيها القانون، وهذا يعني أنّ كثيرًا من القطع التي خرجت من مصر أثناء الحملة الفرنسية أو في أعقابها المباشرة، قد لا تندرج تلقائيًا تحت أحكام هذا القانون.

وأوضح أنه لا ينبغي فهم الأمر على أنّ مصر خارج المشهد تمامًا، لأنّ القضية أوسع من مجرد الحملة الفرنسية، فعدد كبير من الآثار المصرية الموجودة في فرنسا، خرج خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وهي فترة يغطيها القانون بالفعل، كما أنّ مصر في تلك المرحلة كانت تعيش ظروفًا سياسيةً معقدة، وشهدت تدخلات أجنبية واسعة، فضلًا عن أنّ قوانين الآثار القديمة كانت تسمح أحيانًا بخروج القطع الأثرية عبر نظام القسمة مع البعثات الأجنبية، أو عبر الإهداءات السياسية، أو من خلال تجارة الآثار التي لم تكن تخضع للرقابة الصارمة المعروفة اليوم.

ترسيخ مبدأ جديد

ولفت عبد البصير إلى أنّ القيمة الحقيقية لهذا القانون بالنسبة لمصر، لا تكمن فقط في إمكانية استعادة بعض القطع الأثرية، بل في ترسيخ مبدأ جديد في العلاقات الثقافية الدولية، يقوم على الاعتراف بأنّ جزءًا من التراث الموجود في المتاحف الأوروبية، وصل إليها في ظروف تاريخية غير عادلة، وهذا التحول قد يفتح الباب مستقبلًا لمراجعات أوسع تشمل فترات تاريخية أقدم، وربما يعيد طرح ملفات كبرى تتعلق بالتراث المصري الموجود في الخارج.

وأوضح أنه يجب هنا التمييز بين نوعين من الآثار المصرية الموجودة بالخارج، النوع الأول ويتمثل في قطعٍ خرجت وفق القوانين المعمول بها في ذلك الوقت، حتى لو كانت تلك القوانين نفسها مرتبطة بواقع استعماري غير عادل، فيما يتعلق الثاني بقطع مهربة أو مجهولة المصدر، أو خرجت بطرق غير قانونية، وهذه تكون فرص استعادتها أكبر من الناحية القانونية.

حجم الآثار المصرية في باريس

وحول ما إذا كانت هناك بيانات نهائية عن حجم الآثار المصرية الموجودة في فرنسا من عدمه، أوضح مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، عدم وجود أرقام دقيقة ونهائية حول عدد القطع الأثرية المصرية الموجودة داخل فرنسا بطرق غير مشروعة حتى الآن، ويرجع ذلك إلى صعوبة حصر المجموعات الخاصة، واختلاف التعريفات القانونية لما يُعتبر “خروجًا غير مشروع”، فضلًا عن فقدان كثير من الوثائق القديمة الخاصة بعمليات النقل والشراء.