تشهد بعض المناطق السورية، وفي مقدمتها إدلب ودير الزور، حالة من التوتر الشعبي على خلفية مطالبات متزايدة بمحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال أعوام حكم النظام السابق.
وفي وقت أكدت فيه وزارة الداخلية تفهّمها لمشاعر الغضب لدى الأهالي، شددت على أنّ تحقيق العدالة يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة والقضاء، بعيدا عن أيّ ممارسات انتقامية خارج إطار القانون.
إرث نظام الأسد يغذي الغضب الشعبي
وفي هذا السياق، رأى الكاتب والباحث السياسي عبد الله الحمد، أنّ الاحتجاجات الأخيرة تعكس حجم الإرث الثقيل الذي خلّفه النظام السابق.
وأشار الحمد في حديثه لبرنامج "استوديو العرب" الذي يُبث على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامي محمد أبو عبيد، إلى أنّ ما شهدته سوريا خلال العقود الماضية من انتهاكات واسعة، خلق جروحا عميقة لا تزال آثارها حاضرة في المجتمع.
وأوضح أنّ الإعلان عن توقيف عدد من الأطباء المتورطين في عمليات قتل وتصفيات بحق معارضين ومدنيين سوريين، يؤكد حجم التغلغل الذي وصل إليه النظام السابق داخل مؤسسات الدولة ومختلف القطاعات الاجتماعية.
وأضاف الحمد أنّ هذا الواقع يفرض تحديات كبيرة أمام الدولة الجديدة التي تعمل على إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والقضائية والعسكرية من الصفر تقريبا.
وأكد أنّ وجود الاحتجاجات لا يعني غياب الثقة بالحكومة أو بمؤسساتها، بل على العكس، فالمشاركة الشعبية الواسعة في احتفالات "عيد التحرير" عكست مستوًى عاليا من الثقة والتلاحم بين المواطنين والدولة.
وأشار الحمد إلى أنّ حجم الجرائم المرتكبة، إلى جانب كثرة ملفات المفقودين والمعتقلين، يجعل من الطبيعي ظهور ردود فعل غاضبة بين الحين والآخر.
العدالة الانتقالية لا الانتقام
وشدد الباحث السياسي السوري على ضرورة التمييز بين من كانوا مؤيدين للنظام السابق سياسيا وبين أولئك الذين تورطوا بشكل مباشر في جرائم وانتهاكات.
وقال الحمد إنّ الدولة السورية أعلنت منذ البداية أنّ كل من لم تتلطخ يداه بالدماء سيحظى بالحماية القانونية، بينما ستتم ملاحقة المتورطين عبر القضاء.
وفي ما يتعلق بالمخاوف من انتشار ظاهرة أخذ القانون باليد، حذّر من خطورة هذا المسار على الاستقرار المجتمعي، مؤكدا أنّ الدولة تسعى إلى تحقيق العدالة الانتقالية لا العدالة الانتقامية.
ولفت إلى أنّ المؤسسات القضائية والأمنية تعمل على جمع الأدلة واستكمال التحقيقات، وأنّ بعض الملفات تحتاج إلى وقت نظرا لتشعبها وارتباطها بجرائم امتدت لعقود.
وأشار الحمد إلى أنّ السلطات تمكنت منذ سقوط النظام من توقيف آلاف الضباط والعناصر المرتبطين بالأجهزة الأمنية والعسكرية السابقة، معتبرا أنّ ذلك يعكس جدية الدولة في ملاحقة المتورطين ضمن الأطر القانونية.
وأكد تفهمه لمشاعر الضحايا وذويهم، نظرا لحجم المآسي التي عاشها السوريون، لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية منح مؤسسات الدولة الوقت الكافي لإنجاز مهامها، محذرا من أنّ الاستعجال في إصدار الأحكام أو تنفيذ العقوبات قد يضر بمسار العدالة ويقوض الجهود الرامية إلى بناء دولة القانون والمؤسسات.