في ظل تصاعد الصراع الأميركي الإيراني، تبدو الصين المستفيد الأبرز من المواجهة، مع تزايد اعتماد طهران على بكين وتجنب واشنطن استهداف البنوك الصينية الكبرى بالعقوبات خشية تداعيات اقتصادية ومالية أوسع.
وأشار تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أنه قبل عقد من الزمان، وحين أبرم الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما اتفاقاً مع إيران، كان يدرك أنه سيواجه انتقادات لعجزه عن منع البنوك الصينية الكبرى من مساعدة طهران.
لذا، أقرّ بأسف بحقيقة واضحة: وهي أن فرض عقوبات مصرفية كهذه قد يرتد سلباً على الولايات المتحدة نفسها (أي بمثابة هدف في مرماها).
فقد أشار أوباما قائلاً: "لإلحاق ضرر حقيقي بإيران، سيتعين علينا عزل دول مثل الصين عن النظام المالي الأميركي. ولكن، ونظراً لأنها تُعد من المشترين الرئيسيين لديوننا، فإن إجراءات كهذه قد تسبب اضطرابات حادة في اقتصادنا، وتثير تساؤلات دولية حول دور الدولار كعملة احتياطية عالمية".
وفي الأشهر الأخيرة، دأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على انتقاد أوباما بشدة بسبب ذلك الاتفاق مع إيران.
مأزق إستراتيجي
لكن المفارقة تكمن في أن وزير الخزانة سكوت بيسنت يواجه الآن المأزق الإستراتيجي الذي سلط أوباما الضوء عليه، وهو ما يجسد طبيعة النظام العالمي الجديد، بحسب التقرير.
وفي نهاية المطاف، وكما يرى اقتصاديون في جامعات ستانفورد وييل وكولومبيا في مقال لصندوق النقد الدولي، فإن مفتاح فهم الجغرافيا السياسية اليوم يكمن في إدراك أن كلاً من الولايات المتحدة والصين يسعى لممارسة هيمنة أي فرض السطوة على الآخرين.
تتمتع الصين بقوة هيمنة لأنها تسيطر على مفاصل رئيسية في سلاسل التوريد الصناعية، مثل المعادن الأرضية النادرة ومكونات الصناعات الدوائية، في حين تسيطر أميركا على النظام المالي العالمي القائم على الدولار.
أما الهيمنة في مجالي الطاقة والتكنولوجيا، فبحسب التقرير، لا تزال محل تنافس وصراع.
يحاول كلا الطرفين حالياً تقويض القوة المهيمنة للطرف الآخر، لكن من غير المرجح أن ينجح أي منهما في ذلك قريباً؛ مما ينذر بحالة من عدم الاستقرار المنهك مع انجذاب أطراف بالوكالة -مثل إيران- إلى خضم هذا الصراع.
ولقد جسّد هذا الأسبوع ذلك المشهد؛ ففي يوم الاثنين، أعلن "بيسنت" عن "يوم حاسم" (على غرار "يوم الإنزال") في الحرب الاقتصادية ضد إيران، مهدداً بشن "أضخم هجوم مالي يُحشد على الإطلاق ضد خصم ما" من خلال فرض "عقوبات ثانوية" على أي جهة تمارس غسل الأموال لصالح إيران، أو تتعامل في الأصول الرقمية أو التكنولوجيا أو الذهب أو قطاعي الطيران والشحن.
قضية كبرى
وتظل الصين تمثل "الفيل في الغرفة" (أي القضية الكبرى التي لا يمكن تجاهلها)؛ إذ يشير تقرير صادر عن الكونغرس إلى أنها "أكبر شريك تجاري لإيران، رغم العقوبات الأميركية ومتعددة الأطراف المفروضة على طهران"، كما تعهدت باستثمارات بقيمة 400 مليار دولار هناك، فضلاً عن كونها تشتري 90% من صادرات النفط الإيرانية.
ورغم استهداف بعض المؤسسات المالية الصغيرة في هونغ كونغ، لم تُفرض أي عقوبات على البنوك الصينية الكبرى؛ وذلك على الرغم من مطالبات أعضاء في الكونغرس بذلك، بهدف "إرسال رسالة واضحة إلى الصين".
ربما يرغب بيسنت في تجنب عرقلة القمة المزمع عقدها الشهر المقبل بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي يُفترض أن تتمخض عن اتفاقيات تجارية.
وبالفعل، هددت بكين بـ "اتخاذ كافة التدابير اللازمة" للرد في حال تعرضها لعقوبات مرتبطة بإيران؛ ويعني ذلك استخدام أسلحة نفوذها الخاص، مثل وقف صادرات المعادن الأرضية النادرة، وهو أمر لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل تبعاته.



