مع اقتراب الذكرى الـ3 لهجوم 7 أكتوبر، تعيش إسرائيل حالة من التوتر الأمني المتنامي، يتقاطع فيها الخوف من تكرار السيناريو ذاته مع احتدام الحملة الانتخابية قبل موعد الاقتراع في 27 أكتوبر الجاري.
استطلاعات للرأي في إسرائيل رجحت أن 67% من الإسرائيليين يخشون وقوع حدث أمني بمستوى هجوم "حماس" في 2023، مقابل 26% قالوا إنهم لا يخشون مثل هذا السيناريو.
ويتزامن مع هذا القلق الشعبي تصريحات مثيرة للجدل لرئيس الوزراء نتانياهو، ادعى فيها وجود "معلومات" عن نية "العدو" تنفيذ هجمات قبيل الانتخابات، في حين أكدت مصادر عسكرية واستخبارية أنها لا تعرف شيئًا عن تهديد كهذا.
وتكشف هذه التوترات عن مفارقة دقيقة، فبينما يحاول نتانياهو توظيف التهديدات الأمنية لصالح معركته الانتخابية، تتوالى التقارير المستقلة التي تكشف أن إشارات التحذير ذاتها التي سبقت هجوم 2023 تعود للظهور من جديد. تقرير لـ"مجلس أكتوبر" خلص إلى أن 7 إشارات تحذير تتكرر حاليًا، من بينها استمرار "حماس" في تجنيد العناصر وتصنيع الأسلحة رغم الضربات العسكرية، ومحاولات عناصرها اختبار ردود فعل الجيش على "الخط الأصفر"، وتآكل قوات الاحتياط، وخوف أفراد الأمن من رفع التحذيرات.
هذه التطورات تأتي في وقت تفرض فيه السلطات الإسرائيلية إغلاقًا شاملًا على الضفة الغربية ومعابر قطاع غزة يومي 5 و7 أكتوبر، في إجراء وقائي يعكس حجم المخاوف من استغلال الذكرى السنوية لمحاولات هجومية.
وبينما يصر نتانياهو على أن إسرائيل "مستعدة لكل السيناريوهات"، يرى محللون تحدثوا إلى منصة "المشهد" أن "الجدل الدائر حول التهديدات الأمنية تحول إلى ساحة انتخابية"، حيث اتهم زعيم المعارضة لابيد رئيس الوزراء "بالتخويف واستغلال الأمن لأغراض سياسية"، مؤكدًا أن "الأساس الأمني يدار بمسؤولية، وليس عبر فيديوهات انتخابية".
إسرائيل وتحذيرات أكتوبر
وتتوالى في مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية تحذيرات من تكرار سيناريو مشابه لـ7 أكتوبر، في ظل تقاطع توقيتها مع سياق انتخابي مقبل. وفي هذا السياق، أشار أستاذ العلوم السياسية والخبير بالشؤون الإسرائيلية، د. سهيل دياب، لـ"المشهد" إلى أن هناك تقديرًا أمنيًا وتوظيفًا سياسيًا، قائلًا إن هناك 3 منطلقات تخرج منها هذه التحذيرات الإسرائيلية:
- قرب ذكرى السابع من أكتوبر، والمجتمع الإسرائيلي ما زال يعاني من الصدمة الأكبر والأخطر وانعدام الأمن والأمان.
- إسرائيل غيرت عقيدتها الأمنية بعد السابع من أكتوبر من إستراتيجية الردع إلى المنع، في مجال أساسي متعلق بالتحذيرات، وهو أنها لا تنتظر أن تكون قوة تردع الأطراف الأخرى بألا تقوم بأعمال كالسابق، وإنما تستبق الأحداث بخطوات لمنع أي نية أو فكرة في الشرق الأوسط تهددها.
- السياق الانتخابي، نتانياهو يسعى في الانتخابات إلى إبعاد النقاش الانتخابي عن المسؤول عن السابع من أكتوبر، ويريد أن يزيد من الخوف والهلع لدى الإسرائيليين بأن الأخطار الكبيرة تداهم إسرائيل، وأن حكومته هي الوحيدة القادرة على مواجهة هذه الأمور".
واستنادًا إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، أبرزها "واللا" و"معاريف"، فإنها تتابع مؤشرات ميدانية متباينة في الضفة والقدس وغزة، بعضها يعكس احتقانًا قابلًا للانفجار، وبعضها يفرض قيودًا على تكرار هجوم واسع.
بدوره، يؤكد الخبير السياسي د. دياب لـ"المشهد": "لا توجد مؤشرات فلسطينية حقيقية تقول إن ما تحذر منه إسرائيل لديها برهان عليه في أرض الواقع، وهنا أتحدث عن السلطة والفصائل الفلسطينية، لكن المؤشرات تقول إن هناك حالة من الاحتقان غير المسبوق بين الفلسطينيين في الضفة الغربية، التي تعيش على برميل من البارود من حيث الاحتقان الفردي بفعل الممارسات الإسرائيلية، وهذا يشكل احتقانًا جمعيًا قد يؤدي إلى الكثير من الأعمال الفردية والعنيفة، وهذا يشكل هاجسًا للأجهزة الأمنية الإسرائيلية. وبالتالي، سيجد الفلسطيني نفسه بين التهجير والإبادة أو ضرورة مواجهة الاحتلال بكل الوسائل للحفاظ على بيته وأرضه وحلاله وممتلكاته، وهذا سيخلق حالة لم تكن مألوفة، والمجهول فيها أعلى من المعروف، في ظل رفض السردية الإسرائيلية ودعم الفلسطينيين عالميًا".
وفي حال تبين لاحقًا أن التحذيرات الإسرائيلية مبالغ فيها أو غير دقيقة، تقول وسائل إعلام إسرائيلية إن "الأثر سيتجاوز الجانب الأمني إلى الردع وثقة الجمهور الإسرائيلي في المؤسسة الأمنية".
وفي معرض تعليقه، يرى الخبير بالشؤون الإسرائيلية د. دياب أن "سكوت الإسرائيليين على ما جرى في السابع من أكتوبر وعدم محاسبة القيادة السياسية يدل على أن المجتمع الإسرائيلي ليس فقط ذاهبًا إلى اليمين المتطرف، وإنما أيضًا يصيبه عمى ألوان تجاه أمور كبيرة تحدث تحت حجة الأمن الجمعي لإسرائيل بعد السابع من أكتوبر. لا أعتقد أنه سيكون هناك انتقادات أو نقاش أو اتهامات من قبل الإسرائيليين في حال تبين فيما بعد أن التحذيرات كانت مبالغًا فيها. سيكون هناك نقاش لا يتعدى حدود الإجماع الصهيوني، ولن تصل الأمور إلى قلب الطاولة لرؤية جديدة، لا في المجال السياسي ولا في تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية".
عودة سيناريو أكتوبر
من جهته، أشار الخبير العسكري موشيه إلعاد، لـ"المشهد"، الذي يتبنى فرضية التكرار والتصعيد القادم، إلى أن التحذيرات تعكس تقديرًا أمنيًا حقيقيًا تدعمه مؤشرات ميدانية واستخباراتية، قائلًا: "لا يشترط أن تكون التحذيرات أمنية أو سياسية، فقد تجمع بين الجانبين، حيث أظهر فشل هجمات 7 أكتوبر أن المؤسسة الأمنية قد تقلل من شأن المخاطر، ولذا فإن توخي المزيد من الحذر أمر منطقي. وقد خلص مراقب الدولة إلى أن افتراض ردع "حماس" قد دُحض بالحرب. من جهة أخرى، خلال فترة الانتخابات، يعد الأمن قضية محورية بالنسبة للرأي العام اليهودي في إسرائيل، فقد صرح 68% منهم مؤخرًا بأن أحداث 7 أكتوبر تشكل عاملًا حاسمًا في تحديد المرشح الذي سيصوتون له".
ويعتقد الخبير العسكري إلعاد، خلال حديثه، أن هناك عدة مؤشرات تدعم احتمالية التصعيد: "أولًا، تسرب البنية التحتية للإرهاب إلى الضفة الغربية، من خلال تزايد تدفق الأموال والأسلحة من إيران وتركيا إلى الضفة، وهذا يخلق مراكز قوة مسلحة تسعى إلى تحدي إسرائيل. ثانيًا، الواقع الميداني في الضفة الغربية وانعدام الأفق السياسي والاقتصادي يعززان الدافع الشعبي للمواجهة".
ومن وجهة نظر الباحث السياسي الإسرائيلي يؤاف شتيرن، يقول لـ"المشهد" إنه لا توجد مبالغة في التحذيرات الإسرائيلية، حيث إن الفلسطينيين طبقوا السابع من أكتوبر وقاموا بتنفيذه على أرض الواقع: "هناك احتمال وارد لشن هجوم على إسرائيل من الفلسطينيين، أو من لبنان وسوريا والدول المحيطة. التكرار وارد جدًا لهذا السيناريو أن يحدث مرة أخرى، خصوصا في المناطق الحدودية، لذلك يجب الاستعداد دائمًا من قبل إسرائيل بغض النظر عن المؤشرات والمعطيات الميدانية".
يرفض الباحث السياسي شتيرن، الذي يتبنى فرضية التكرار، اختزال التحذيرات الأخيرة في سياق انتخابي، ويؤكد أنها "تعكس تحولًا حقيقيًا في منظومة الدفاع الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، فالجيش الإسرائيلي تبنى عقيدة جديدة تقوم على الاستعداد الدائم لحرب مفاجئة متعددة الجبهات، مع الاستناد إلى قدرات العدو الفعلية بدلًا من تقييم نواياه. هذا التحول يشمل مضاعفة قوات الاحتياط والجاهزية في جميع القطاعات، وإنشاء بنك أهداف في الضفة الغربية لضرب عشرات المواقع في الساعات الأولى من أي هجوم محتمل. فهذه التغييرات الجوهرية تعني أن التحذيرات تعبير عن تهديدات جدية تتعامل معها المؤسسة الأمنية على أنها سيناريو مرجعي دائم".
احتمالات التكرار
منذ 7 أكتوبر، يعيش الشارع الإسرائيلي قلقًا مستمرًا، وتتصدر الصحف الإسرائيلية تحذيرات من تكرار سيناريو مماثل، مصادر هذه التحذيرات تتنوع بين المؤسسة الأمنية والمستوى السياسي.
وفي هذا الشأن، يضيف الكاتب والمحلل السياسي مناضل حنني لـ"المشهد": "من دون شك، إسرائيل ومختلف الأحزاب المتنافسة في الانتخابات تمارس سياسة التحريض وتهويل القضايا الأمنية والسياسية، خصوصا مع الفلسطينيين. وبالتالي، الحديث عن تكرار 7 أكتوبر يأتي في هذا الإطار، فهو تهويل وتضخيم لا أساس لهما من الصحة. تارة يتحدثون عن خلايا ومسلحين، وتارة أخرى عن عناصر الأمن الفلسطينية بأنهم مدربون وقنبلة موقوتة يمكن أن ينتج عنها عمل مشابه لما جرى في 7 أكتوبر، لذلك لا أساس ولا معطيات حقيقية، إنما استغلال ذلك في إطار الدعايات الانتخابية ومحاولة تخويف الناخب الإسرائيلي من جهة، وكسب الأصوات من جهة أخرى".
ويستبعد المحلل السياسي حنني احتمال تكرار سيناريو مشابه للسابع من أكتوبر، في ظل تصاعد التحذيرات الإسرائيلية، التي بلغت ذروتها بتوجيه وزير الدفاع يسرائيل كاتس الجيش بالاستعداد لهجوم "على غرار السابع من أكتوبر" في الضفة الغربية، وسط تقارير تتحدث عن "عدد غير مسبوق من التحذيرات".
وأكد "على الإطلاق، لا توجد مؤشرات فلسطينية، لأسباب وعوامل عدة، أبرزها العمل الأمني الواسع والمتواصل لجيش الاحتلال، وأن هناك مواقف فلسطينية تقول إن ما جرى في 7 أكتوبر جلب كارثة للشعب الفلسطيني، وبالتالي من المستحيل تكرار ذلك في الضفة الغربية".
واستدرك قائلًا: "التحذيرات الإسرائيلية مبالغ فيها ولا أساس لها، والجمهور الإسرائيلي يعرف ذلك، لكن التخوف أن الائتلاف الحاكم حاليًا هو من يحاول خلق ذلك من خلال مزيد من الحصار والإغلاق والاقتحامات والقتل، ووضع الأسرى في السجون، وحجز الأموال. وبالتالي، الواقع الفلسطيني أصبح مأساويًا في مختلف نواحي الحياة مع ازدياد إقامة البؤر الاستيطانية، وكل هذا يخلق حالة تذمر وعدم قبول لدى الفلسطينيين بشكل كبير".



