بعثت تعديلات مقترحة لقانون الملكية العقارية في الأردن استقطابات واسعة على المستويين الشعبي والرسمي في ما يتصل بالتوازن بين حماية الملكية الخاصة وتمكين الدولة من تنفيذ مشاريع البنية التحتية، خصوصا السكك الحديدية، وسط مخاوف بشأن تملك غير الأردنيين والشخصيات الاعتبارية للعقارات، ونزع الملكية الفردية للمنفعة العامة.
قانون الملكية العقارية
ورغم إقرار لجنة مشتركة في مجلس الأعيان، مكونة من اللجنتين القانونية والاقتصادية، أمس الأحد مشروع القانون كما ورد من مجلس النواب، فإن رئيس اللجنة رجائي المعشر حمل الحكومة جزءا من مسؤولية ما جرى من جدل حول مشروع القانون، مشيرا إلى أنها "لم تقم بالقدر الكافي من الإعداد المسبق والحوار المجتمعي اللازم، ولم توضح بصورة كافية الأسباب الموجبة للمشروع وأهدافه وأبعاده والآثار المترتبة على أحكامه".
من جانبه، قال محمد البشير المحلل الاقتصادي والناشط السياسي لـ"رويترز" إن جزءا من الجدل يرتبط بكون الأردن يقع في منطقة مجاورة لإسرائيل، وما يثار تاريخيا بشأن وجود مخططات لإقامة مناطق عازلة في دول الجوار، معتبرا أن "هذه الهواجس قد تكون ساهمت، بشكل أو بآخر، في الجدل القائم حول تملك غير الأردنيين".
وأضاف أن استقطاب المستثمرين يجب أن يكون مرتبطا بحاجات الاقتصاد الأردني، متسائلا عن طبيعة المصانع أو المشاريع الزراعية التي يحتاجها الأردن، وما إذا كانت ستسهم في تقليص عجز الميزان التجاري والحد من الاعتماد على الاستيراد.
وشدد على أهمية الحفاظ على ملكية المواطنين لأراضيهم، محذرا من أن تفتيت الملكيات لصالح رؤوس الأموال الكبيرة "قد يترتب عليه ضرر اجتماعي كبير، خصوصا بالنسبة للأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر للدخل".
حساسية الوضع
وبحسب البشير، فإن الانفتاح الاقتصادي العالمي وإزالة الحدود بين الأسواق قد يجعلان حركة رؤوس الأموال أكثر سهولة بين الدول "إلا أن حساسية الوضع في المنطقة تتطلب، بالتوازي، إصلاحا سياسيا يعزز مشاركة المواطنين في صنع القرار والرقابة والمحاسبة".
وقال "المؤشرات الاقتصادية من معدلات النمو إلى البطالة وعجز الميزان التجاري، كلها تواجه تحديات، والحكومات المتعاقبة لم تقدر على معالجتها بصورة كافية".
خلال مناقشات مشروع تعديل القانون داخل البرلمان، قال وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات إن التعديل المتعلق بتملك غير الأردنيين خارج حدود التنظيم، وهي الأراضي والعقارات التي لم تصل إليها مرافق بعد، لا يمثل فتحا مطلقا للتملك، وإنما يجيز التملك لغايات السكن الخاص وبمساحة لا تتجاوز 10 دونمات، مع استمرار القيود والاشتراطات الواردة في القانون.
وأضاف أن التعديلات تأتي في إطار تنظيم عملية التملك وتسهيل الاستثمار.
أما نائبة البرلمان ديما طهبوب ، فقالت لـ"رويترز" إن السماح بتملك غير الأردنيين بدأ كفكرة استثمارية بهدف تشجيع المشاريع في الأردن، قبل أن يتوسع ليشمل أغراض السكن الخاص، وصولا إلى السماح بالتملك خارج التنظيم ضمن مشروع القانون.
وأضافت أن الأصل أن يوجه السكن إلى المناطق الواقعة داخل التنظيم، محذرة من أن الأراضي خارج التنظيم قد تكون ذات حساسية وأبعاد أمنية أو اقتصادية أو مائية، ما يستدعي التشديد على عدم انتقال ملكيتها إلى غير الأردنيين تحت أي لافتة أو قانون.
وفي ما يتعلق بنزع الملكيات، قالت طهبوب إن الاستملاك للمنفعة العامة في الطرق يمنح الحكومة مجالا لاستملاك ربع الأرض دون تعويض، لافتة إلى أن الحكومة أضافت السكك الحديدية إلى تعريف الطرق.
وأضافت أن ذلك قد يشكل غبنا بحق المواطنين، إذ يسلبهم جزءا من ملكياتهم الخاصة دون وجه حق، خصوصا أن مرور السكك الحديدية في أرض ما قد يؤدي إلى انخفاض قيمتها السوقية.
الإجراءات المدروسة
من جانبه قال ماجد غوشة، رئيس جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان، إن الجمعية تؤيد الإجراءات المدروسة التي تسهم في جذب الاستثمار وتنشيط السوق العقارية، نظرا لارتباط القطاع بالإنشاءات ومواد البناء والتمويل والخدمات الهندسية والتشغيل.
وأضاف أن "التعديل لا يفتح الباب بشكل مطلق أمام تملك غير الأردنيين للأراضي خارج التنظيم، وإنما يتيح التملك لغايات السكن وبمساحة لا تتجاوز 10 دونمات، مع استمرار القيود الأخرى الواردة في القانون".
وأكد أن السماح بالتملك قد يشكل حافزا للاستثمار، لكنه يحتاج إلى ضوابط توازن بين جذب رؤوس الأموال وحماية الأراضي الزراعية والحد من المضاربة، خصوصا أن طبيعة الأراضي خارج التنظيم تختلف من منطقة إلى أخرى.
وأشار غوشة إلى أن "الاستثمار الأجنبي الأكثر فائدة هو الذي يضخ رأس مال جديدا ويقيم مشاريع حقيقية ويخلق فرص عمل، وليس مجرد انتقال ملكية الأرض والاحتفاظ بها دون تطوير".
وأضاف أن "تشجيع غير الأردنيين على شراء الوحدات والمشاريع التي تنفذها شركات الإسكان والتطوير العقاري المرخصة يمكن أن يوجه الطلب الخارجي نحو نشاط اقتصادي منتج، وينشط قطاعات الإنشاءات ومواد البناء والخدمات المرتبطة بها".
وأشار إلى أن تملك غير الأردنيين ليس خطرا بحد ذاته ولا حافزا استثماريا بحد ذاته، وإنما تتحدد نتائجه وفق الضوابط وآليات التطبيق، بما يضمن جذب الاستثمار وتحريك السوق العقارية وحماية الأراضي الزراعية والمصلحة الوطنية.
وفي ما يتعلق بنزع الملكيات الخاصة للمنفعة العامة، قال غوشة إن الجمعية تسعى إلى تحقيق التوازن بين تمكين الدولة من تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، وحماية الملكية الخاصة وتعزيز الثقة بالبيئة الاستثمارية. وأكد أن مشروع السكك الحديدية يمثل مشروعًا وطنيًا مهمًا لدعم الاقتصاد وتحسين النقل والخدمات اللوجستية وربط المناطق التنموية والصناعية، مشيرًا إلى أن الجدل يتركز على آلية استملاك الأراضي اللازمة لتنفيذه.
وقال غوشة "إحنا مع أي تعديل يساعد على جذب الاستثمار وتحريك السوق، لكن بنفس الوقت لازم يكون في توازن، خصوصا بموضوع السكك الحديدية وتملك غير الأردنيين. المهم تكون القوانين واضحة وتحمي حق المواطن".



