تشهد سوريا منذ بداية أبريل 2025، موجة غير مسبوقة من حرائق الغابات، ما يسلّط الضوء على هشاشة البنية البيئية في البلاد، وتداخل عوامل بشرية وطبيعية وأمنية في تغذية هذا المشهد المتفاقم.
وبينما تواصل فرق الإطفاء المحلية والدولية جهودها منذ 4 أيام لإخماد النيران الأخيرة التي اندلعت في احراج الساحل السوري، تتزايد الشكوك حول الأسباب والدوافع الكامنة وراء هذا التصعيد، خصوصًا في ظل تبنٍّ مباشر من قبل تنظيم "أنصار السنة" لاستخدام الحرائق كسلاح بيئي في سياق طائفي مقلق.
اللاذقية تشتعل.. والكارثة تتمدّد
سجلت سوريا في الفترة بين أبريل ويونيو 2025، أكثر من 3,570 حريقًا، بمتوسط يومي بلغ 39.7 حريقًا، شملت مناطق غابات وأراضيَ زراعية وأحزمة خضراء، أبرزها في محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث سُجّل أكثر من 70% من حرائق الغابات في الساحل السوري وحده، خصوصًا في مناطق مثل "الريحانية"، و"قنجرة"، و"كنسبا".
لكنّ الحرائق الأخيرة التي بدأت في ريف اللاذقية، سرعان ما امتدت لتشكل مناطق واسعة غطت معظم الريف الشمالي، أجبرت سكان عشرات القرى والبلدات على الهرب مدمّرة محميات طبيعية ومناطق حرجية وصولًا إلى منطقة البسيط على الساحل، في أضخم وأخطر حريق تشهده المنطقة منذ عقود.
وعلى الرغم من مشاركة عشرات مراكز إطفاء موزّعة على المحافظات كافة، إلا أنّ القدرات اللوجستية والموارد البشرية كانت غير كافية للتعامل مع النطاق الجغرافي الواسع للحرائق، خصوصًا في ظل ظروف مناخية قاسية، وارتفاع درجات الحرارة، ونقص في المياه.
وأكّد سكان محليون تواصلت معهم منصة "المشهد"، أنّ التحديات الميدانية – من التضاريس الوعرة إلى انتشار مخلفات حربية غير منفجرة – زادت من صعوبة المهام، فيما يتزايد الخوف من اضطرار المزيد من السكّان على النزوح عن مناطقهم في ظل عجز فرق الإنقاذ عن السيطرة على الحرائق حتى ساعة إعداد المقال.
الحرائق كسلاح طائفي
وفي حين تشكّل الأسباب التقليدية – كالقطع الجائر، والجفاف، والحرق العشوائي للنفايات – العوامل الأساسية في تغذية الحرائق، إلا أنّ تطورًا خطيرًا طرأ في الحدث الحالي بعد تبنٍّ مباشر من تنظيم "أنصار السنة" لعدد من الحرائق التي اندلعت في ريف اللاذقية.
في بيان نُشر عبر منصات تابعة للتنظيم، أعلن الأخير مسؤوليته عن إشعال الحرائق في مناطق "القسطل" بتاريخ 3 يوليو، مشيرًا إلى أنّ العملية استهدفت "النصيرية" – في إشارة طائفية واضحة – وأدت إلى نزوح عدد من السكان ووقوع حالات اختناق. يأتي هذا التبني ليعكس تصعيدًا نوعيًا في أدوات الصراع، عبر تحويل النيران إلى سلاح دمار جماعي ضد السكان والبنية البيئية.
ويحذّر خبراء سوريون، من أنّ هذا النمط الجديد قد يتكرر في مناطق أخرى، ما يُعقّد من جهود إخماد الحرائق، ويزيد من أعباء الجهات المعنية، خصوصًا أنّ الحرائق باتت أداة تهجير قسري مموهة بـ"كوارث طبيعية"، خصوصًا وأنّ التنظيم، الذي تبنّى سابقًا التفجير الإرهابي في كنيسة مار الياس بدمشق، قد أقدم على إحراق الغابات في اللاذقية، استنادًا إلى فتوى صادرة عن المفتي العام المدعو "أبو الفتح الشامي"، بجواز حرق ممتلكات "الكفّار" ومزارعهم وقراهم، بقصد إرهابهم.
وردًّا على ذلك، روّجت حسابات مؤيدة للحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، لمقطع فيديو قالوا إنّه يُظهر رصد الجيش التركي قيام "فلول نظام الأسد" بتعمّد إشعال الحرائق في المناطق الحدودية، إلا أنّ منصّات متخصصة في كشف المحتوى المزور، أكدت أنّ المقطع المتداول تم تسجيله في ولاية إزمير التركية لإخماد النيران بتقنية "النار المضادة".
حرائق الغابات في الساحل السوري
لا تقتصر خسائر الحرائق على الأشجار المحترقة، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد بنية المجتمع السوري، خصوصًا في المناطق الريفية والساحلية المعتمِدة على الغابات كمصدر رزق وغطاء بيئي حيوي.
تشير تقديرات أولية إلى أنّ سوريا فقدت بين عامي 2011 و2024، أكثر من 100,000 هكتار من الغابات، أي نحو 105 ملايين شجرة. وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فقد تخسر البلاد 40% من غاباتها المتبقية بحلول عام 2030، ما سيزيد من حدة التصحر، ويهدد الأمن الغذائي، ويُعرّض نحو 200,000 شخص – ممن يعتمدون على الغابات في معيشتهم – لمخاطر النزوح.
ويرى نائب عميد كلية الاقتصاد في جامعة حماه السورية د. عبد الرحمن محمد، أنّ "حرائق الغابات في الساحل السوري من الأزمات البيئية والاقتصادية الخطيرة التي تعاني منها سوريا، خصوصًا في ظل الظروف المناخية القاسية والجفاف المستمر".
ويعدد الأكاديمي السوري في حديثه إلى منصة "المشهد"، الآثار الاقتصادية لحرائق الغابات بما يلي:
- تدمير المحاصيل الزراعية: تؤدي حرائق الغابات إلى احتراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ما يتسبب في خسائر فادحة للمزارعين. وعلى سبيل المثال، أنّ الحرائق الأخيرة قد أحرقت أكثر من 5,500 هكتار من الأراضي الزراعية، ما يعادل خسائر موسمين من العمل الزراعي للعديد من المزارعين.
- التأثير على السياحة: حيث تُعتبر المناطق الساحلية في سوريا وجهات سياحية مهمة، ومع تدمير الغابات، تتأثر السياحة سلبًا، ما يؤدي إلى فقدان فرص العمل في هذا القطاع الحيوي، وقلة عدد السياح وبالتالي قلة إيرادات قطاع السياحة الذي بات مهمًا حاليًا للاقتصاد السوري، حيث إنه الأقل كلفة والأكثر إيرادًا بعد الدمار الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية الأخرى.
- زيادة البطالة: نتيجة لتدمير المحاصيل وفقدان مصادر الدخل، حيث يواجه العديد من السكان فقدان وظائفهم، ما يزيد من معدلات البطالة في البلاد.
- تأثر الزراعة سلبًا وخصوصًا الفواكه والحمضيات ومنتجات الساحل، وهذا يمسّ تكاليف المواطنين المعيشية بسوريا سلبًا...
أما النتائج الاجتماعية لحرائق الغابات، فيلخصها محمد عبر النقاط التالية:
- النزوح والتهجير: حيث تؤدي الحرائق إلى إخلاء القرى والمناطق السكنية، ما يسبب نزوح السكان إلى مناطق أخرى بحثًا عن الأمان.
- تدهور الصحة النفسية: يعاني السكان من القلق والخوف نتيجة الحرائق المستمرة، ما يؤثر على صحتهم النفسية، كما أنّ الدخان الناتج عن الحرائق، يشكل خطرًا صحيًا على السكان في المناطق المجاورة.
- تدمير الروابط الاجتماعية: مع فقدان المنازل والمزارع، تتأثر الروابط الاجتماعية بين المجتمعات، حيث يواجه الأفراد تحديات جديدة في إعادة بناء حياتهم بعد الكوارث الطبيعية.
خسائر اقتصادية واجتماعية
من جهته يرى الباحث والخبير الاقتصادي د. عدي سلطان، أنّ حرائق الغابات المدمرة اجتاحت مناطق جبال مصياف وجبل التركمان في سوريا، مخلّفة خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة.
كباحث اقتصادي، أرى أنّ "هذه الحرائق تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد السوري الهش، وسبل عيش آلاف العائلات". ويقول سلطان في حديثه إلى منصة "المشهد"، "لو عدنا للأثر الاقتصادي لهذه الحرائق، فإنّ الكارثة تتضح من خلال الأرقام من خلال:
- الحرائق دمرت نحو 10,000 هكتار من الغابات والأراضي الزراعية في محافظتي اللاذقية وحماة. هذه الأراضي تُنتج محاصيل مثل الزعتر واللافندر، التي تُشكل 30% من دخل العائلات الريفية في المنطقة.
- القطاع الزراعي، الذي يُساهم بـ20% من الناتج المحلي الإجمالي السوري، خسر ما يُقدر بـ50 مليون دولار من المحاصيل والموارد الطبيعية، ما يزيد الضغط على اقتصاد يعاني أصلًا من نقص العملة الأجنبية.
- النباتات الطبية والعطرية، التي تُصدّر بقيمة 10 ملايين دولار سنويًا، تضررت بنسبة 40%، ما يهدد بفقدان هذا المصدر الحيوي للتصدير، ويُقلل دخل المزارعين.
- فرق الإطفاء تعاني من نقص المعدات بنسبة 60% مقارنة بالمعايير الدولية، ما يُضعف الاستجابة ويُطيل مدة الحرائق، وما يزيد الخسائر الاقتصادية بنسبة 25%.
- إعادة تأهيل الأراضي المتضررة تتطلب استثمارات بقيمة 30 مليون دولار على الأقل، بما في ذلك إعادة التشجير وتحسين الري. وبدون دعم دولي، ستبقى هذه الأراضي قاحلة لسنوات.
- الحرائق تهدد الأمن الغذائي، حيث تُشكل المناطق المتضررة 15% من إنتاج المحاصيل الغذائية المحلية. هذا يعني زيادة في أسعار المواد الغذائية بنسبة 10-15% في الأسواق المحلية.
ويختم د. سلطان حديثه بالقول، "برامج التوعية والوقاية من الحرائق تفتقر إلى التمويل بنسبة 80%، ما يجعل المجتمعات المحلية غير مجهزة للتعامل مع المخاطر. لذلك فإنّ الاستثمار في التوعية، يمكن أن يُقلل الخسائر بنسبة 20% في المستقبل".