hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 من الحسكة إلى بروكسل.. "مؤتمرات الأقليات" تزيد الضغط على الشرع

المؤتمر ضمّ أكثر من 400 شخصية سياسية ودينية وثقافية في الحسكة (إكس)
المؤتمر ضمّ أكثر من 400 شخصية سياسية ودينية وثقافية في الحسكة (إكس)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • مؤتمر الحسكة فجّر جدلًا واسعًا بين الإدارة الذاتية ودمشق.
  • المؤتمر أدى إلى انسحاب الحكومة السورية من مفاوضات باريس وسط تصاعد الضغوط السياسية.
  • وليد جولي: ضغط تركي على دمشق لعدم المشاركة في مفاوضات باريس.
  • زردشت محمد: اللقاء مبادرة مستقلة ولا يرتبط تنظيميًا بمؤتمر الحسكة.

أثار "مؤتمر وحدة الموقف" لمكونات شمال وشرق سوريا، الذي اختتم أعماله أمس في مدينة الحسكة، الواقعة ضمن مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، جدلًا واسعًا وانقسامًا بين مؤيدين رأوا فيه تأسيسًا لأول منصّة حوار شامل، ومعارضين اتّهموه بالتآمر على السلطة السورية الانتقالية.

المؤتمر، الذي عُقد في مركز الثقافة والفن بحي غويران، وضم أكثر من 400 شخصية سياسية ودينية وثقافية، إلى جانب الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية "مسد"، ومجلس المرأة، طالب في بيانه الختامي بصياغة دستور ديمقراطي جديد يتبنى نظام الحكم اللامركزي في البلاد، بمشاركة فعلية لجميع مكونات المجتمع السوري.

وشدد على التعدد القومي والديني والثقافي لهذا المجتمع، ورافضًا جميع أشكال الاستئثار بالسلطة وعمليات التغيير الديمغرافي، وداعيًا إلى عقد "مؤتمر وطني سوري جامع وشامل، تشارك فيه مختلف القوى الوطنية والديمقراطية".

ردّت دمشق على هذه المطالب بإعلان انسحابها من اجتماعات باريس، معتبرة المؤتمر "ضربة لجهود المفاوضات"، وتنصّلا من قبل قسد من تنفيذ اتّفاق 10 آذار بين قائدها الجنرال مظلوم عبدي، والرئيس السوري الموقت أحمد الشرع.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن "مصدر مسؤول في الحكومة السورية" قوله، إنّ "المفاوضات يجب أن تجري في دمشق بوصفها العنوان الشرعي والوطني للحوار بين السوريين"، وإنّ الحكومة السورية "لن تجلس على طاولة التفاوض مع أيّ طرف يسعى لإحياء عهد النظام البائد تحت أيّ مسمى أو غطاء".

ووصف الكاتب والمحلل السياسي عبد الله الحمد ردّ الحكومة السورية على المؤتمر "بالحازم والقوي" متّهماً إياه "بالانقلاب على اّتفاق 10 مارس".

وقال الحمد في حديثه لـ"المشهد" إن "المؤتمر المذكور ليس الخطوة الأولى، كان قبله مؤتمر في العراق ثم استجداء بالفرنسي واستجداء بالبريطاني، وكل ذلك في ظل الاتّهامات الأميركية لميليشيا قسد بالتباطؤ في تنفيذ الاتفاق". 

"غير مفاجئ"

في أواخر يوليو الماضي، أعلنت كل من فرنسا والولايات المتحدة موافقتهما على عقد محادثات في باريس "بأسرع وقت ممكن"، بشأن تنفيذ بنود اتفاق 10 مارس، وذلك بعد تعثّر جولتي المفاوضات اللتين شهدتهما دمشق في الفترة الممتدة من مارس وحتى يوليو.

أحرجت الأحداث التي شهدتها محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، السلطة الانتقالية في دمشق، ووضعتها تحت ضغوط إقليمية ودولية من قبل العديد من القوى والدول الداعمة لها.

وصف عضو اللجنة التحضيرية لمؤتمر "وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا" وليد جولي، ردَّ فعل دمشق بأنه "غير مفاجئ"، متهمًا أنقرة بالضغط على الحكومة السورية لعدم خوض المفاوضات في باريس.

وقال جولي في حديث مطول مع "المشهد": "لدينا معلومات تفيد بأنّ الحكومة قررت التصعيد لناحية عدم المشاركة في مؤتمر باريس، وهي التي طالبت بتأجيل جلستها المقررة. والسبب في ذلك يعود إلى أنّ المؤتمر يحظى برعاية أميركية-فرنسية غير مقبولة من قبل أنقرة، التي تضغط على دمشق لرفضها".

واعتبر جولي أنّ "دمشق ليست صاحبة قرار في سياساتها، إذ تؤثر فيها العديد من القوى الإقليمية والدولية، وهذه القوى تتفق في ما بينها أحيانًا، وتتعارض في رؤاها الخاصة بسوريا في كثير من الأحيان، وبالتالي فإنّ الضغوط الخارجية، وخصوصًا التركية، تزيد من مأزق دمشق وتخبّطها".

وكشف جولي أنّ "المؤتمر كان مخططًا له مسبقًا، قبل شهرين على الأقل، ولم يكن لينعقد تحت مسمى وحدة الموقف، لأنّ موقف مكونات شمال شرق سوريا واضح، وتم الإعلان عنه في العقد الاجتماعي الذي أعلنت عنه الإدارة الذاتية سابقًا، لكنّ الأحداث التي حصلت في كل من الساحل السوري والسويداء، والأحداث المأساوية في دويلعة وصحنايا ومناطق سورية أخرى، دفعتنا إلى تأكيد المواقف المعلنة مسبّقًا لناحية رؤية مكونات شمال شرق سوريا لشكل بلدهم، ومطالبهم لناحية التشاركية والتعددية والديمقراطية، خصوصًا بعد تصاعد العنف وخطاب الكراهية من قبل سلطات دمشق ودوائرها العسكرية والسياسية والإعلامية".

من جهته رأى الحمد أن "قسد اليوم لا تقرأ الواقع السياسي جيدا، ولا تفهم بأن عصر الميليشيات والكائنات الموازية انتهى في المنطقة كلها وليس فقط في سوريا، وهي تغلّب مصالحها الشخصية على المصالح الوطنية".

ونفى وجود ضغوط تركية على دمشق لمنعها من المشاركة في مباحثات باريس قائلاً أن "قسد هي التي فتحت باب عدم التفاهم. الجميع لا يريد التصعيد ويريد التوصل إلى حلول وطنية تحت مظلة وطنية جامعة، لكن قسد تستفز الحكومة السورية وتحاول جرّها مع حليفتها تركيا إلى مثل هذه الاستفزازات، فيما تصر دمشق على الصّبر الإستراتيجي وتواصل مشاوراتها مع الدول الإقليمية وحتى الغربية وعلى رأسها الولايات المتّحدة في ظل الضوء الأخضر الأميركي لدمج قسد". 

زعماء دينيون يثيرون الجدل

من جهتها، دانت دمشق المؤتمر، معتبرة مشاركة زعماء "انفصاليين ومتورطين في أعمال عدائية"، خرقًا لاتفاق 10 مارس، وحمّلت قسد المسؤولية عن انهيار مسار التفاوض، متهمة إياها بانتهاج سياسات تغيير ديمغرافي ممنهج ضد العرب من قبل "التيارات الكردية المتطرفة".

وردًا على هذه الاتهامات، قال جولي، مدير العلاقات العامة في مركز الفرات للدراسات، إنّ "الموقف الكردي تم الإعلان عنه في مؤتمر وحدة الموقف الكردي الذي عُقد في أبريل الماضي، وهناك فروق عديدة بين الموقفين؛ فمؤتمر الموقف الكردي مثلًا يطالب بالفيدرالية، ويركّز على النقاط والبنود الخاصة بحقوق الكرد السوريين، كونهم ثاني أكبر قومية في سوريا بعد العرب، ويطالب بضمان هذه الحقوق دستوريًا".

وأضاف، "أما مؤتمر الأمس إلى جانب تأييده لحقوق الأكراد، يتحدث عن حقوق جميع السوريين، ويتبنى رؤية الإدارة الذاتية لشكل الحكم، والمتمثلة باللامركزية الموسعة، وليس الفيدرالية كما هو الحال بالنسبة لمؤتمر وحدة الصف الكردي".

وجذبت مشاركة كل من الزعيم الروحي لطائفة الموحّدين الدروز، الشيخ حكمت الهجري، والزعيم الديني للعلويين في سوريا، الشيخ غزال عزال، في المؤتمر عبر تقنية الفيديو، ردود أفعال غاضبة وانتقادات واسعة من النشطاء المؤيدين للسلطة، الذين اعتبروها دليلًا على محاولات إنشاء "حلف للأقليات" ضد حكومة الشرع.

ويُعرف كلا الزعيمين الدينيين بمواقفهما المناهضة للحكومة الانتقالية السورية، ورفضهما الاندماج في المؤسسات الحكومية المركزية، التي يتهمانها بالتطرف واستبعاد كل من يختلف عنها في العقيدة والفكر.

واعتبر الحمد المؤتمر "مستفزاً لمكونات الشعب السوري، كونه أولا تحدث عن الوطنية ولم يكن هناك أعلام للدولة السورية، وتحدّث عن الديمقراطية وكان هناك تهميشا للمكون العربي، وتحدث عن العلمانية وكان هناك استضافة لرجال دين يُعتبرون أدوات متقدمة للاحتلال الإسرائيلي في سوريا، ومحرضين على المجازر".

وبيّن جولي أنّ مؤتمر الحسكة "لم يكن موجّهًا ضد أحد، وهو في الوقت نفسه لم يُعقد على أساس أحزاب أو أطراف سياسية، إذ تم توجيه دعوات شخصية للحضور لشرائح مكونات شمال وشرق سوريا كافة، مع مراعاة التوازن التعددي، ولم تقتصر الدعوات على مؤيدي الإدارة الذاتية فقط، بل شملت شخصيات يسارية علمانية ودينية وعرقية متنوعة، وحتى معارضة للإدارة الذاتية".

وأضاف: "أما عن مداخلات السيدين حكمت الهجري وغزال عزال، فكانت في إطار التضامن ومباركة المؤتمر، وإظهار التوافق في الرؤى بينهم وبين شمال وشرق سوريا لشكل الدولة السورية المبنية على النظام الديمقراطي اللامركزي".

وختم جولي حديثه بالقول: "بالنتيجة، لاقى المؤتمر ترحيبًا واسعًا من أوساط سورية ربما لم تكن باستطاعتها إيصال صوتها إلى صناع القرار السياسي سواء في الداخل أو الخارج، لذلك جاءت الدعوة لعقد مؤتمر وطني سوري شامل يضمن مشاركة السوريين كافة في رسم مسار ديمقراطي حقيقي لسوريا، وإعادة النظر في الإعلان الدستوري الذي لم يلبِّ تطلعات الشعب السوري".

لقاء بروكسل

في خضم الجدل بين الإدارة الذاتية ودمشق حول مؤتمر الحسكة، تم الإعلان عن انعقاد مؤتمر سوري آخر، تشارك فيه شخصيات من مختلف أطياف المجتمع السوري، الأحد في بروكسل، في خطوة من المتوقع أن تفاقم من الضغوط السياسية على الحكومة السورية الانتقالية، نظرًا للنتائج المرتقب صدورها في ختام أعماله، والتي تتطابق في معظمها مع مطالب مؤتمر الحسكة.

عضو اللجنة التحضيرية لـ"لجنة تنسيق المكونات السورية" زردشت محمد، قال إنّ لقاء بروكسل "اجتماع تحضيري تشاوري بين عدد من المكونات السورية، يهدف إلى تبادل الرؤى واستطلاع سبل العمل المشترك، وليس مؤتمرًا للمكونات السورية، ولا يحمل صفة تمثيلية نهائية، وإنما يعدّ خطوة أولية في إطار مسار حوار أوسع وأشمل، من المقرر أن يتطور لاحقًا ليشمل طيفًا أوسع من القوى والمكونات والشخصيات السورية".

توقيت انعقاد لقاء بروكسل، زاد من التوقعات بأن تكون الخطوة استكمالًا لمؤتمر الحسكة، وهو ما نفاه زردشت محمد في حديثه إلى "المشهد"، قائلًا إنّ "لقاء بروكسل مبادرة مستقلة لا ترتبط تنظيميًا أو هيكليًا بذلك المؤتمر، وإن كان هناك تقاطع في بعض القضايا المطروحة مثل الفيدرالية واللامركزية وحقوق المكونات. إنّ أيّ تشابه في المضامين، يعكس فقط اهتمامًا وطنيًا مشتركًا، ولا يعني وحدة المسار أو التبعية".