على الرغم من أنها ليست المرة الأولى، فإن دعوة رئيس مجلس النوّاب العراقي هيبت الحلبوسي، لإعادة العمل بقانون التجنيد الإلزامي، أثارت موجة من الجدل السياسي في الأوساط السياسية والشعبية العراقية، فبينما يرى البعض أنها وسيلة لإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة، يحذّر آخرون من تحديات تطبيقها خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية التي يمر بها العراق.
وعقب زيارته لوزارة الدفاع ولقائه رئيس أركان الجيش عبد الأمير رشيد يار الله، أمس 15 إبريل، تبنّى رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي مقترحاً لإعادة فرض التجنيد الإلزامي في البلاد، معتبرا أنه ضرورة أمنية واجتماعية من شأنها أن تقلل البطالة، مؤكداً أنه تم التشاور مع رؤساء الكتل النيابية حول المقترح، لضمان المضي بمسار تشريعي يخدم متطلبات الأمن الوطني.
وسبق لحكومة مصطفى الكاظمي أن أقرت مشروعا مماثلا عام 2021، لكن لم يتم تمريره لعدم توافق الكتل السياسية وصعوبة التطبيق، فهل ينجح الحلبوسي بتمرير القانون هذه المرة؟
تاريخ الجيش العراقي
كان الجيش العراقي مطلع التسعينيات يعد من أقوى الجيوش في المنطقة، حيث حصل على المرتبة الـ5 عالمياً من حيث القوة العددية والتسليح، ووصل عدد جنوده إلى 1.4 مليون جندي، خاض حرب الخليج الأولى ضد إيران (1980 – 1988) ثم حرب الخليج الثانية ضد الكويت (1990 – 1991)، إلا أنه بدأ بالانهيار بعد حرب الخليج الثانية وصولاً إلى حله رسميا بعد سقوط النظام العراقي 2003 ودخول القوات الأميركية.
وبعد دخول القوات الأميركية إلى بغداد عام 2003، أنشأت واشنطن جيشا جديدا تطوعيا، لتنتهي حقبة التجنيد الإلزامي، وتُظهر إحصائيات موقع "غلوبال فاير بور" الأميركي لعام 2023، أن الجيش العراقي الحالي يحتل المرتبة 45 عالمياً رغم أن إنفاقه الدفاعي يتجاوز 5.7 مليارات دولار، بقوة عسكرية تضم نحو 361 طائرة حربية، 923 دبابة، نحو 40 مدرّعة، 281 مدفعاً ذاتياً، 424 راجمة صواريخ، و63 وحدة بحرية.
ويقول الخبير العسكري واللواء المتقاعد في وزارة البيشمركة صلاح فيلي لمنصة "المشهد"، إنه من الصعب إعادة تفعيل قانون التجنيد الإلزامي من الناحية العسكرية، لأنه بعد سقوط النظام العراقي في العام 2003، حددت واشنطن عدد قوات الجيش العراقي، التي يجب ألا تتجاوز 200 ألف جندي، من دون حساب قوات الشرطة والأمن والحشد الشعبي، كما لا يُسمح للعراق بامتلاك قوات احتياطية، لذلك الولايات المتحدة لن تقبل بزيادة هذا العدد.
ويوضح الفيلي، أن واشنطن اتجهت إلى حل الجيش وإلغاء التجنيد الإلزامي بعد سقوط النظام السابق، كنوع من العقوبة العسكرية بعد أن قام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بغزو جيرانه من الدول المجاورة وشن حربين متتاليتين على إيران والكويت، لذلك تم تحديد عدد القوات وحركتها ونوعية أسلحتها، أي أن الأسلحة التي يمتلكها الجيش العراقي غير مسموح بزيادتها، ولا يحق له شراء الأسلحة الثقيلة.
ويضيف الفيلي: "قوات التحالف الدولي موجودة في الأراضي العراقية تبعاً لاتفاقات محددة بمواد قانونية عدة، تعمل بالتعاون مع الجيش العراقي، لذلك أي تغيير يجب أن يمر عبرها، ولا أعتقد أنه يمكن تطبيق هذه الفكرة حالياً، لأنه لا يمكن للقوات العسكرية العراقية شراء طائرات حربية متطورة إلا بموافقة واشنطن، ولا يمكنها الإقلاع إلا بموافقتها أيضاً".
رأي القانون العراقي
وأثار المقترح أيضاً تساؤلات حول آلية تطبيقه، وهل يسمح الدستور والقانون العراقي بإعادة تفعيل التجنيد الإلزامي بعد أن أصبح الانضمام إلى القوات المسلحة تطوعياً، عن ذلك يقول الاستشاري القانوني بجامعة المستقبل الدكتور آركان الحمداني لمنصة "المشهد"، إن إعادة تفعيل قانون التجنيد الإلزامي يعتبر صعباً من الناحية القانونية، ويحتاج إلى تشريع لإعادة تفعيله، لأن سلطة الائتلاف المؤقت برايمر 2003 حلّت الجيش العراقي آنذاك، وألغت التجنيد الإلزامي.
وأضاف: "بالتالي يجب على البرلمان أن يقدم مقترحاً بإعادة تفعيل قانون التجنيد الإلزامي إلى مجلس الوزراء ليتم التصويت عليه من قبل الكتل السياسية، اعتقد أن توافق الكتل السياسية سيكون أمراً معقداً".
وترتبط صعوبة نجاح مقترح إعادة تفعيل التجنيد الإلزامي بالأزمة الاقتصادية التي يعيشيها العراق أيضاً، والتكاليف الباهظة التي ستترتب على تفعيله، عن ذلك يقول المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة العراقية، الدكتور علاء الدين القصير لمنصة "المشهد"، إن تفعيل القانون يحتاج إلى بُنى تحتية وميزانية مالية ضخمة، خصوصاً أنه يستهدف فئة الشباب، أي الشريحة الأوسع في العراق التي تتجاوز نسبتها 60% من الشعب العراقي.
ويرى القصير، أن إعادة بناء جيش إلزامي جديد فكرة جيّدة، لكن تطبيقها يحتاج إلى دراسة مطوّلة من الناحية المادية، كبناء معسكرات تدريب، تأمين لوازم الجنود، وجبات الطعام والألبسة والأسلحة والدورات التدريبية والرواتب الشهرية، في حين يعاني العراق من تأخير في تسديد الرواتب وديون اقتصادية ومشاكل مالية.
"صراع سني شيعي"
وعلى الصعيد السياسي، صرّح مصدر فضل عدم ذكر اسمه لـ"المشهد"، أنه مع كل أزمة خدمية تواجه البلاد، تحاول بعض القوى السياسية إثارة مواضيع جدلية غير مجدية، فقط لصرف النظر أو تحويل الانتباه عما يجري من تظاهرات حاشدة في محافظات جنوب العراق؛ بسبب أزمة نقص الغاز التي يُتوقع أن تمتد إلى مدن الوسط، إنها لعبة سياسية لإسكات صوت الشارع بشعارات رنانة توهم الشباب بفرص عمل عن طريق الالتحاق بالجيش ومكافحة البطالة وبناء الهوية الوطنية.
ولكن في المقابل، يرى مراقبون أن طرح هذا القانون يعكس صراعاً سنياً شيعياً داخل البرلمان العراقي، عن ذلك يقول المحلل السياسي مكرم القيسي لـ"المشهد"، إن الغاية من طرح هذا القانون هو محاولة من القوى السنية لتقليص دور مؤسسة الحشد الشعبي، باعتبارها تحمل هوية المذهب الشيعي، تحاول القوى السنية طرح مشروع جديد عن طريق إنشاء جيش إلزامي قادر على حماية البلاد.
ويرى القيسي، أن فكرة القانون جيدة لكنها تحتاج إلى دراسة من الجوانب كافة، لأن تطبيقه ليس أمرا، سهلا ويحتاج بداية إلى موافقة الولايات المتحدة لتسمح بتمريره. ثم يحتاج إلى توافق سني شيعي كردي داخل البرلمان، هذا ما سيجعل تمريره معقداً، لأن الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان سترفض ذلك.
وعن موقف القوى السياسية الشيعية، يجيب القيسي: "تدرك القوى الشيعية خطورة القانون بالتالي ستعارضه وتعرقل مروره ولن تسمح بالتصويت عليه، لأنها مكتفية من الناحية العسكرية والأمنية لديها مؤسسة الحشد الشعبي، إضافة إلى أن أبرز القيادات الموجودة في الجيش العراقي تابعة للكتلة الشيعية وجميع الأجهزة الأمنية (جهاز المخابرات، الأمن الوطني، جهاز مكافحة الإرهاب) كلها بيد القوى الشيعية، بالتالي لن تسمح بتمرير القانون، على العكس سيعملون على تعزيز دور الحشد الشعبي عبر فتح باب التطوع مرة أخرى".
ويستبعد القيسي تمرير القانون خلال هذه الدورة النيابية، يقول: "من المستبعد تمريره خلال الدورة النيابية الحالية، لكن ممكن مستقبلاً في حل تم إنهاء دور الحشد الشعبي والفصائل المسلحة". مضيفاً: "العراق بحاجة إلى إعادة هيكلة قواته العسكرية خصوصاً في ظل وجود عجز داخل الجيش من ناحية الأفراد والأفواج والألوية، كلها يتم تعويضها بالحشد الشعبي كقوة أمنية".
نوستالجيا عراقية
وفي ظل الأزمات الاقتصادية التي يواجهها العراق خصوصاً فيما يتعلق بمشكلة البطالة، يبدو مقترح تفعيل الخدمة الإلزامية حلاًّ للعديد من الشباب الباحثين عن فرصة عمل، عن ذلك يقول الكاتب والصحفي العراقي منتظر ناصر لمنصة "المشهد"، إن حقبة حل الجيش وإلغاء التجنيد الإلزامي ارتبطت في ذاكرة العراقيين بالفوضى وانتشار السلاح والسرقات، لذلك عندما يتم تطرح فكرة إعادة بناء الجيش الإلزامي، توقظ لدى العديد منهم نوع من النوستالجيا لحالة الانضباط والتنوّع العرقي والديني التي ضمنها الجيش العراقي سابقاً، وكان قادراً على حماية البلاد، الشارع العراقي بمعظمه يشجع فكرة إعادة بناء جيش وطني جامع للهوية العراقية.
والأمر الآخر، بحسب ناصر، هو انتشار البطالة، لأن العراق يعتبر من البلدان الفتية إلا أن معظم شبابه عاطل عن العمل، ولا يوجد استيعاب لهذه الطاقات الشابة، هذه الطاقات المهدورة سترى من فكرة الالتحاق بالجيش حلاً مناسبا لها.
وأضاف أن "بعض العراقيين يتخوفون من فكرة التجنيد الإلزامي، ويربطونها بإعادة عسكرة المجتمع والعودة إلى حقبة الديكتاتورية والحروب المتهورة التي خاضها العراق على مدى 3 عقود، كلها ما زالت عالقة في ذاكرة العراقيين".