في خطوة تصعيدية، أعلنت إثيوبيا أنّ أحد أعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية شخص غير مرغوب فيه، وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد، من دون أن تقدّم أسبابا حول قرارها، لترد القاهرة سريعا بالمثل، وتعلن أنّ مستشار بسفارة أديس أبابا في القاهرة شخص غير مرغوب فيه وعليه مغادرة البلاد أيضا.
وجاءت هذه التطورات الأخيرة، بعد أن اتهم مسؤول كبير في الجيش الإثيوبي، مصر ودول إفريقية أخرى، بتحريض مجموعة مسلحة انفصالية في إقليم تيغراي الإثيوبي وهو اتهام نفته القاهرة على أكثر من مستوى، مؤكدة أنّ مصر لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
الأمن المائي خط أحمر
الخلافات المصرية الإثيوبية ليست وليدة اللحظة، ولكنها متواصلة منذ العام 2011، حينما شرعت أديس أبابا في بناء سد النهضة من دون اتفاق مع دولتي المصب وهما مصر والسودان، وتقول مصر إنّ السد يؤثر على حصتها في مياه النيل.
وعلى مدار أكثر من عقد، رفضت إثيوبيا التوصل لأيّ اتفاق ملزم بشأن عمليات ملء وتخزين المياه في سد النهضة، في حين أكدت القاهرة أنّ "مياه النيل خط أحمر" بالنسبة لها.
وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في مقابلة خاصة مع الإعلامي طوني خليفة عبر برنامج "توتر عالي" على قناة ومنصة "المشهد"، إنّ "ما يجري في إثيوبيا شأن داخلي لا علاقة لمصر به، ولن نعلق عليه، ولا نتمنى إلا الخير للشعب الإثيوبي، ولا نسعى للتصعيد".
وأضاف وزير الخارجية: "رددنا بالمثل على طرد إثيوبيا لدبلوماسيينا، ولا نسعى للتصعيد"، مؤكدا أنّ الأمن المائي لمصر "خط أحمر".
بيئة أمنية معقدة
وتفتح هذه التطورات الباب أمام الكثير من التساؤلات حول مستقبل العلاقات المصرية الإثيوبية، إذ اعتبرت الخبيرة في العلاقات الدولية الدكتورة مونيكا وليم، أنّ التصعيد الدبلوماسي الأخير بين مصر وإثيوبيا والذي بدأته أديس أبابا، تطور مهم في مسار علاقة شديدة الحساسية.
وأشارت في حديث لـ"المشهد"، أنّ اللافت في هذه الخطوة، ليس فقط طبيعتها ونمطها، وإنما في توقيتها وسرعة انتقالها إلى مستوى الإجراءات الدبلوماسية المباشرة، فإعلان دبلوماسي شخصا غير مرغوب فيه، يعدّ أداة سيادية معروفة في العلاقات الدولية، لكنه يحمل رسالة سياسية أكثر حدة من مجرد التصريحات أو الاحتجاجات الدبلوماسية.
وأضافت أنه لا يمكن النظر إلى القرار الإثيوبي باعتباره مسألة منفصلة تمامًا عن التحولات الأمنية في القرن الإفريقي. فإثيوبيا تتعامل حاليًا مع بيئة أمنية داخلية وإقليمية متشابكة، بينما تنظر مصر إلى أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وأمن السودان وأمن مياه النيل، باعتبارها دوائر مترابطة من الأمن القومي.
وفي ما يتعلق بمحاولة استقراء الأسباب التي دفعت باتجاه تدهور العلاقات المصرية الإثيوبية مؤخرا، أوضحت وليم أنّ في مقدمة تلك الأسباب، ذلك الخلاف الممتد حول سد النهضة وإدارة الموارد المائية لنهر النيل، وهو خلاف استمر لأكثر من عقد، وتحوّل تدريجيا من قضية فنية تتعلق بقواعد الملء والتشغيل إلى قضية ترتبط بالأمن القومي.
وتابعت، "في المرحلة الراهنة يضاف إلى ذلك العامل الداخلي الإثيوبي، فالتطورات العسكرية والسياسية في تيغراي أعادت إثيوبيا إلى وضع أمني شديد التعقيد ، فيما دخلت العلاقات مع إريتريا مرحلة غير مسبوقة من التدهور، بعد أن أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، وفي هذا السياق نفسه جاء التصعيد مع القاهرة".
ولفتت إلى أنّ الرد المصري السريع بالمثل، يعكس نمطا واضحا في إدارة القاهرة للتصعيد الدبلوماسي، وهو عدم ترك الخطوة المقابلة بلا استجابة، مع الحفاظ على مستوى الرد داخل الإطار الدبلوماسي والقانوني، وهنا تصبح الخطوة المصرية أكثر قابلية للفهم، باعتبارها إدارة لتداعيات أزمة إقليمية واسعة، فالدولة المصرية تؤكد رسميا رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
تصعيد دبلوماسي محسوب
من جانبه، أشار مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي في حديث لمنصة "المشهد"، إلى أنه من المهم التمييز بين التصعيد الدبلوماسي والقطيعة الدبلوماسية، موضحا أنّ طرد دبلوماسيين لا يعني تلقائيا قطع العلاقات، والدليل أنّ الإجراء المصري جاء في إطار المعاملة بالمثل، ولم يتضمن إعلانًا بقطع العلاقات أو إغلاق السفارات، وبالتالي فإنّ السيناريو الأكثر وضوحا في هذه المرحلة، هو استمرار الضغط المتبادل مع إبقاء الحد الأدنى من قنوات الاتصال قائما.
وأشار إلى أنه يمكن القول بأنّ العلاقات المصرية الإثيوبية تدخل مرحلة تصعيد دبلوماسي محسوب، وليست مرحلة قطيعة مكتملة، وستتحدد المرحلة المقبلة وفق قدرة الطرفين على منع الملفات المتشابكة، مثل سد النهضة، والقرن الإفريقي، والسودان، والبحر الأحمر، من التحول إلى مسار واحد من المواجهة.
ويرى بيومي أنّ سياسة مصر القائمة على الرد بالمثل، تحمل وظيفتين في الوقت ذاته:
- الرد السريع لحماية قواعد التعامل الدبلوماسي.
- الإبقاء على الرد داخل حدود تسمح باستمرار المسار السياسي.
وقال إنّ هذا التوازن سيكون عاملا أساسيا في تحديد ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى أزمة دبلوماسية محدودة، أم سيتحول إلى أزمة إستراتيجية أوسع بين البلدين
وحذر من أنّ المخاطر تكمن في تراكم الإجراءات، فإذا انتقل التصعيد من طرد الدبلوماسيين إلى تخفيض مستوى التمثيل، أو استدعاء السفراء، أو تعطيل قنوات الاتصال السياسية، فإنّ الأزمة ستدخل مرحلة أكثر صعوبة، وبالتالي فإنّ الحفاظ على القنوات الدبلوماسية يصبح في حد ذاته أداة لإدارة الخلاف وليس تنازلا سياسيا.
وأضاف، "وهنا تكتسب دعوة الاتحاد الإفريقي أهمية خاصة، فقد دعا جميع الأطراف مصر وإثيوبيا وإريتريا، إلى ضبط النفس والامتناع عن الخطوات أو التصريحات التي يمكن أن تزيد التوتر، وشدد على ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال وتسوية الخلافات من خلال الحوار والآليات الدبلوماسية".
اتهامات مرفوضة
وردا على الاتهامات الإثيوبية لمصر بدعم جماعات مسلحة لزعزعة أمن واستقرار أديس أبابا، أوضح الدبلوماسي المصري، أنّ هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة، مؤكدا أنّ هناك مبدأً راسخا في السياسة المصرية الخارجية على مدار التاريخ، والمتمثل في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهو أمر ثابت في أيّ تحرك مصري خارجي منذ عقود.
وأوضح أنّ "المسؤولين في إثيوبيا يتخذون الأزمة مع مصر ذريعة للتغطية على مشكلاتهم الداخلية ليس إلا".
وطالب إثيوبيا بالتركيز على حلحلة مشكلاتها الداخلية بنفسها بدلا من إلقاء التهم وتوزيعها على جيرانها، مبينا أنّ أزمات المعارضة والجماعات المسلحة في الداخل الإثيوبي، تعود إلى سنوات بعيدة ولا علاقة لها بمصر.
وأكد أنّ هذه الأزمات أقدم من نشوب الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا حول سد النهضة، وهو ما يعني أنه لا يوجد أيّ مبرر لإقحام اسم مصر في أزمات إثيوبيا الداخلية.



