منذ مطلع العام الجاري سُجّلت عشرات الانتهاكات بحقّ المسيحيّين ومقدساتهم على يد المستوطنين الإسرائيليّين من دون رادعٍ من قبل الشرطة الإسرائيلية، التي وفي معظم الاعتداءات تكون على مقربة من الحدث ولا تحرك ساكنًا، رغم تنديد رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو أخيرا.
منصة "المشهد" رصدت آخر الاعتداءات والتي أثارت ضجة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكنّ ردود الأفعال عليها لم تغيّر الواقع، وأبرزها حين اقتحم 4 مستوطنين دير راهبات المحبة بالقرب من الباب الجديد في القدس، وتمكّن الحارس من إبعاد المقتحمين عن المكان، واعتداء القوات الإسرائيلية على رجال الدين والمحتفلين بعيد الفصح المجيد بالضرب والسحل، أثناء حملهم الصليب وسيرهم في درب الآلام، وكذلك تحطيم باب بطريركية الأرمن الأرثوذكس في القدس القديمة، والبصق باتجاهه، كما اقتحم مستوطنان، كنيسة ستّنا مريم في مدينة القدس، واعتديا على رجال الدين والمصلّين بأدوات حادة، ووجّها الشتائم لهم، وأصيب أحد رجال الدين بجرح بالرأس، وهذا غيض من فيض.
أما العبارات النابية والشعارات القاسية فباتت تحصل من قبل المستوطنين بشكل شبه يومي على الأديرة والكنائس، موجّهين من خلالها أقبح الشتائم للسيّد المسيح والألفاظ النابية للمسيحيّين، وقاموا بنبش القبور المسيحية وتكسير شواهدها، ناهيك عن شتم وضرب الراهبات أثناء مرورهنّ بالأسواق القديمة، فلم تعد هناك حرية في العبادة، فالشرطة الإسرائيليّة تُصدر تصاريح خاصة للوصول إلى كنيسة القيامة، وتحرم الكثير منها، وآخر هذه الممارسات ضدّ المسيحية بصق متطرفين إسرائيليّين أثناء خروج حجاج مسيحيّين وهم يحملون الصليب من كنيسة حبس المسيح في القدس، وتم توثيق ذلك من قبل نشطاء بشريط فيديو.
مرجعيات مسيحية: نطالب بحماية دولية
مرجعيات دينيّة مسيحيّة أدانت التصرفات الإسرائيليّة من بصاق المستوطنين على المسيحيّين وانتهاك حقوقهم، معتبرين ذلك تعبيرا عن "عنصرية قيادة حكومة إسرائيل المتطرفة، فالسلوك الإسرائيليّ في القدس له هدف واحد، وهو عدم وجود أيّ شريك أو ديانة أخرى بالمدينة، وما يحدث هو فرض للسيادة الإسرائيلية اليهوديّة من دون احترام ديانة أخرى"، فيما عبّرت تلك المرجعيات عن القلق حول تنامي مشاعر العنصرية والكراهية، التي ستجرّ المنطقة لحرب دينيّة.
وفي حديث مع "المشهد" طالب رئيس التجمع الوطني المسيحيّ في الأراضي المقدسة ديمتري دلياني "المجتمع الدوليّ بالإقدام على خطوات عملية لحماية المسيحيّين والمسلمين ومقدساتهم من الإرهاب الإسرائيليّ المدعوم حكوميًا، وفرض عقوبات على إسرائيل بسبب تقاعسها عن القيام بواجباتها التي يحتّمها عليها القانون الدولي".
وعلّق دلياني على تبرير سياسيّين إسرائيليّين بأنّ جريمة البصق على المسيحيين هي عملية متجذّرة في الدين اليهودي، "هي تعكس مدى تجذّر العنصريّة والكراهية في مجتمعهم، والتي أُقيمت أصلًا على فكر عنصريّ وأيديولوجية كارهة".
الصحافة الإسرائيلية تنتقد الاعتداء على المسيحيّين
من جهتها، رصدت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيليّة تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليّين تجاه المسيحيّين في القدس، وصرّحت الصحيفة بأنّ تلك الاعتداءات آخذة بالتصاعد ومقلقة، وذلك على خلفية احتجاج المتطرفين اليهود الذين يزعمون أنّ المسيحيين يخططون لإقامة حدث مسيحيّ مميز على مقربة من المسجد الأقصى، ورصدت الصحيفة قيام المستوطنين بهتافات عنصرية متطرفة تجاه السيّاح المسيحيّين والبصق على مجموعة منهم عند مدخل كنيسة القيامة.

وحول حادثة البصق على الحجاج المسيحيّين عند درب الآلام، تحدّث مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي مباشرة من الموقع أثناء مرور المستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى من المكان، وقال مستوطن: "نحن مع البصق عليهم والتقليل من شأنهم وإدانتهم وطردهم من هنا"، كما نقلت الإذاعة ذاتها عن شابّ يهوديّ متطرف، تباهيه بالاعتداء على المسيحيّين"، وأشار إلى أنه "يبصق نحو رجال دين مسيحيين كلما وجدهم في أزقة القدس العتيقة"، مبرّرا عمله بأنّ "كل المسيحيّين لا ساميّين".
اضطهاد إسرائيليّ مستمر
تمثّل مدينة القدس مولد الإيمان المسيحي، ومع السياسيات الإسرائيليّة الحاليّة تجاه المسيحيّين، فقد انخفض عدد المسيحيّين الذين يعيشون في المدينة إلى أقل من 2%، إذ هاجرت الكثير من العائلات، وهذا التراجع مردّه الوقائع المؤلمة التي تحدث في المدينة يوميا، وفي كثير من الأحداث تُتّهم الشرطة الإسرائيلية بردود فعل بطيئة، لكن في بيان حديث للشرطة قالت إنها "تتّخذ إجراءات جادة ضد أعمال البلطجة والعنف والتخريب من أيّ نوع ، وتم التعامل مع جميع الحوادث بشكل سريع وحاسم".
منسّق مكتب مجلس الكنائس العالميّ بالقدس يوسف ضاهر قال في حديثه مع "المشهد"، حول تعرّض المسيحيّين لسياسة التنكيل والتهجير من قِبل إسرائيل بحسب وصف المنظمات الدولية العاملة هنا "تكرار الاعتداءات وازدياد أعدادها وتنوّعها يصل إلى بداية اضطهاد، المسيحيّون في القدس باتوا يشعرون بذلك الآن، والوتيرة الحالية نعزوها إلى إهمال السلطات الإسرائيلية بل والتشجيع أحيانا، إن كان مباشرا أو غير مباشر، من قبل مسؤولين في الحكومة الاسرائيلية الحالية".
ويضيف ضاهر قائلًا: "رؤساء الكنائس أصدروا العديد من النداءات بهذا الخصوص، لكنّ العالم لم يحرّك ساكنًا.. وفعلًا نحن اليوم نشعر بظلم كبير واضطهاد لم يسبق له مثيل".
الإجراءات التعسّفية الإسرائيليّة القمعيّة ضد المسيحيين في القدس، جعلت من ظروف الحياة داخل المدينة قاسية، لكنهم يصرّون على البقاء.