حسم الناخبون في أيسلندا، واحدة من أكثر القضايا السياسية التي أثارت الجدل في البلاد على مدى عقود، بالتصويت ضد استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لتبقى الجزيرة الواقعة في شمال الأطلسي خارج التكتل.
وأفادت هيئة البث العامة في أيسلندا "آر.يو.في"، الأحد، بأنّ الناخبين رفضوا مساعي الحكومة لإعادة فتح مفاوضات العضوية، مؤيدين بذلك موقفًا يرى أنّ الحفاظ على مصايد الأسماك، باعتبارها موردًا بالغ الأهمية للبلاد، لا يحتمل المخاطرة.
نتيجة الاستفتاء
وتشكل نتيجة الاستفتاء ضربة لبروكسل، في وقت كان بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي ينظرون إلى أيسلندا باعتبارها مرشحة منخفضة المخاطر للانضمام إلى التكتل.
وكان الرهان الأوروبي يقوم على أنّ انضمام أيسلندا يمكن أن يساهم في تخفيف المخاوف المحيطة بعملية توسيع الاتحاد، بالتوازي مع تعزيز ثقله الإستراتيجي في ظل الاهتمام المتزايد بأمن منطقة القطب الشمالي.
لكنّ الناخبين الأيسلنديين اختاروا عدم فتح مسار جديد للمفاوضات.
وكانت الحكومة قد رفعت سقف الرهان على الاستفتاء، مقدمة إياه باعتباره فرصة قد لا تتكرر لإعادة بحث مستقبل البلاد داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي أغسطس، قالت رئيسة الوزراء كريسترون فروستادوتير للناخبين، إنّ التصويت بالرفض سيضع حدًا لجميع التكهنات بشأن إمكانية انضمام أيسلندا إلى الاتحاد.
وقدمت الحكومة مساعيها تحت عنوان فرصة "الآن أو لن تحدث أبدًا"، في محاولة لحسم ملف ظل حاضرًا في النقاش السياسي الأيسلندي على فترات متقطعة طوال عقود.
الاقتصاد والأمن
وخلال حملة الاستفتاء، قدم مؤيدو الانضمام مجموعة من المبررات الاقتصادية والأمنية لدعم العودة إلى طاولة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.
ورأوا أنّ العضوية يمكن أن تساعد أيسلندا في خفض معدلات الفائدة المرتفعة، إلى جانب توفير قدر أكبر من الأمن للبلاد في ظل الاضطرابات الدولية.
واستند المؤيدون إلى تطورات من بينها الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضم جزيرة غرينلاند الواقعة في منطقة القطب الشمالي.
السيادة والأسماك
على الجانب الآخر، تمحورت حملة معارضي الانضمام حول مخاوف تتعلق بسيادة أيسلندا وقدرتها على الاحتفاظ بالسيطرة على مواردها.
وفي مقدمة هذه الموارد جاءت مصايد الأسماك، التي تمثل أحد أهم القطاعات بالنسبة إلى الجزيرة.
وحذر المعارضون من أنّ الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يهدد سيادة البلاد على هذا القطاع، معتبرين أنّ المخاطر المحتملة لا تبرر المضي نحو العضوية.
وقبل ظهور نتيجة الاستفتاء، قالت رئيسة الوزراء، بعد الإدلاء بصوتها في العاصمة السبت، إنّ الحملة فتحت نقاشًا واسعًا بشأن موقع أيسلندا ومكانتها في العالم.
وقالت فروستادوتير: "هذا يوم عظيم، انتظرنا لسنوات حتى نتمكن من التصويت".
وأكدت في الوقت نفسه، أنّ حكومتها ستواصل عملها بصرف النظر عن النتيجة التي ستفرزها صناديق الاقتراع.
طلب العضوية
ولا تعدّ فكرة انضمام أيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي جديدة.
فقد تقدمت البلاد بطلب العضوية للمرة الأولى في عام 2009، في أعقاب الأزمة المالية التي وجهت ضربة قوية إلى اقتصادها الصغير وشديد التأثر بالعوامل الخارجية.
وبدأت بعدها عملية التفاوض مع الاتحاد، إلا أنّ المسار لم يكتمل، إذ أنهت حكومة متشككة في الاتحاد الأوروبي المفاوضات عام 2013.
ومنذ ذلك الحين، بقي ملف العضوية حاضرًا على فترات في النقاش الداخلي من دون الوصول إلى حسم نهائي.
وعادت مسألة الاتحاد الأوروبي بقوة إلى دائرة الاهتمام في أيسلندا في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم.
فالحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب الرسوم الجمركية الأميركية على الواردات والتطورات الأمنية المحيطة بمنطقة القطب الشمالي، أعادت طرح السؤال بشأن موقع أيسلندا وعلاقاتها الدولية.
وبعد سنوات من النقاش المتقطع بشأن الانضمام، عاد القرار هذه المرة إلى الناخبين، الذين اختاروا رفض بدء مفاوضات جديدة، والإبقاء على بلادهم خارج الاتحاد الأوروبي.



