مع تصاعد الأزمات في الشرق الأوسط وتزايد التوتر الإقليمي المرتبط بإيران، باتت تساؤلات تُطرح هنا وهناك في ظل التغيّرات السياسية التي تواجهها إسرائيل مؤخرا في أوروبا.
وبحسب محللين، يتم الدفع بتساؤلات من بينها: ما الذي دفع عدداً من الدول الأوروبية، مثل إسبانيا وإيطاليا والمجر، إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل وتغيير مواقفها التقليدية الداعمة لها؟
تحوّل في المزاج الأوروبي
أدلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز اليوم الثلاثاء بتصريحات من الصين، واصفا إسرائيل بأنها "الدولة الوحيدة المنتهكة للشرعية الدولية في الشرق الأوسط"، في حين جاء قرار رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بتعليق اتفاقية الدفاع مع تل أبيب كضربة سياسية ثانية للحكومة الإسرائيلية.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد تلقّت "صفعة" يوم الأحد بعد خسارة فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية.
واعتبر محللون أن كل ذلك يعتبر بمثابة مؤشرات على تحوّل المزاج الأوروبي تجه إسرائيل.
ولا يعكس هذا التحول فقط ضغط الرأي العام المتأثر بالمجازر في غزة، بل أيضاً حسابات سياسية داخلية تتعلق بالانتخابات والأحزاب والإعلام.
ومع بدء إسرائيل بفقدان أبرز حلفائها الأوروبيين، فإن التساؤل الذي بات من الضروري الإجابة عنه: هل تستطيع تل أبيب الاستمرار في الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، أم أن عزلة متزايدة ستفرض عليها البحث عن أفق سياسي جديد؟
تحولات أيديولوجية الطابع
وتعليقا على ذلك، أكد المحلل السياسي والخبير في الجيوسياسة الدكتور عامر السبايلة أن التحولات الحالية في المشهد الأوروبي ترتبط بالبعد الأيديولوجي، موضحا أن الحركات اليسارية تشهد حضورا متفاوتا بين الدول.
وقال السبايلة في تصريحات لمنصة "المشهد" إن هذه الحركات في إسبانيا هي جزء من الحكومة بينما في إيطاليا تقتصر على المعارضة، أما في المجر فما تزال الصورة غير واضحة، وإن كان الميل العام يتجه نحو اليمين الليبرالي.
وأشار إلى أن ما يجري اليوم يعكس صراعا بين التوجهات المحافظة التي تدفع بها الإدارة الأميركية وردود الفعل اليسارية عليها، وهو ما يتجلى بوضوح في إسبانيا، التي تبقى خارج الحسابات الإستراتيجية الكبرى سواء في مشاريع الطاقة من المتوسط أو خطوط التجارة عبر غرب إفريقيا.
وفيما يتعلق بإيطاليا، أوضح السبايلة أن حكومة ميلوني لا تستطيع الانفصال عن التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي والسياسة الأميركية، مؤكدا أن أي تغيير داخلي يجب أن ينسجم مع سياسات الاتحاد الأوروبي، خصوصا أن إيطاليا باتت جزءا من المثلث الأساسي لصنع القرار الأوروبي إلى جانب ألمانيا وفرنسا، ولم تعد مجرد تابع كما كان الحال في عهد ميركل وماكرون.
وأضاف أن المعارضة الداخلية في إيطاليا تتصاعد قوتها ما يفرض موازنات دقيقة لتجنب إسقاط الحكومة.
واعتبر أن الخطوات الأخيرة لا تمثل إلغاء للاتفاقيات القائمة بل محاولة لاحتواء المعارضة الداخلية، مشيرا إلى أن روما وتل أبيب ستضطران إلى الاجتماع مجددا لمناقشة آليات تجديد الاتفاقيات، في خطوة أقرب إلى المناورة السياسية منها إلى التغيير الجذري.
وتطرق السبايلة إلى خسارة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان معتبرا أنها تحمل رسالة مهمة، خصوصا بعد الدعم المباشر الذي أبداه للتيارات اليمينية.
وتابع: "رغم أن هذه الخسارة لا تعني تغيّرا كاملا في سياسات المجر، إلا أنها تشكل نقطة تحول بارزة وتكشف عن رد فعل أوروبي واضح تجاه استمرار التيارات اليمينية المتطرفة في الحكم، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى إعطاء الأولوية لإعادة إنتاج حكومات وسطية أو يسارية في المرحلة المقبلة".
غياب الأفق السياسي الإسرائيلي
إلى ذلك، أكد الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور أن تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية بوصفها حكومة يمينية متطرفة، تجعل من الصعب على أوروبا الاستمرار في دعمها، رغم أحداث غزة وما تلا الـ7 من أكتوبر.
وأشار في حديثه لمنصة "المشهد" إلى أن سياسات هذه الحكومة وممارسات الجيش الإسرائيلي إلى جانب غياب أي أفق سياسي، أسهمت في تغيير المزاج الأوروبي، خصوصا مع تأثير الرأي العام المتأثر بالمشاهد الدامية، ودور الجاليات الفلسطينية والعربية والإسلامية المناهضة للحرب.
واعتبر أن كل ذلك دفع دولا أوروبية عدة إلى إعادة النظر في علاقاتها مع إسرائيل، وصولا إلى فرض عقوبات وإصدار إدانات سياسية.
وأشار منصور إلى أن طبيعة الأنظمة الأوروبية القائمة على الانتخابات وتعدد الأحزاب والإعلام الحر، تجعل مواقفها أكثر تفاعلا مع القضايا العالمية، ومنها الصراع مع إسرائيل.
وأضاف أن انسداد الأفق السياسي داخل إسرائيل كان عاملا أساسيا في دفع أوروبا إلى مراجعة سياساتها، إلى جانب الممارسات الميدانية التي زادت من حدة الانتقادات.
وفي ما يتعلق بمستقبل إسرائيل، أوضح منصور أن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو يقدم نفسه باعتباره قادرا على بناء تحالفات دولية وترويج سياسات بلاده، إلا أن عزلة الدولة العبرية وتراجع الدعم من الحكومات اليمينية المتحالفة معها أضعفا هامش المناورة لديه.
وبيّن أن الاعتماد على القوة العسكرية من دون رؤية سياسية لا يحقق مكاسب إستراتيجية لإسرائيل، خصوصا مع ملاحقة نتانياهو أمام المحاكم الدولية وفقدانه تدريجيا دعم حلفائه التقليديين.
وشدد منصور على أن أوروبا تتأثر أيضا بالموقف الأميركي، حيث بدأت واشنطن بعد حرب إيران في تعديل سياساتها والبحث عن حلول أكثر شمولا في المنطقة، وهو ما قد يشكل بداية لتحولات سياسية تنعكس على إسرائيل في المرحلة المقبلة.