قبل ساعات من ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، كلّف مرشد الإخوان المسلمين محمد بديع، نائبه جمعة أمين عبد العزيز، بالسفر إلى لندن، ليكون القائد البديل للتنظيم في حالة نجاح الثورة وتمّت الإطاحة بهم من حكم مصر.
بعد عزل الرئيس الإخوانيّ محمد مرسي من حكم مصر، لحق العشرات من قيادات الجماعة الإرهابيّة بعبد العزيز في لندن، مقر التنظيم الدوليّ، وأصبحت معقلًا لهم كما كانت منذ عشرات الأعوام.
مدير المركز الأوروبيّ لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، الدبلوماسيّ العراقيّ السابق جاسم محمد، يقول، إنه "بعد الضربات التي وُجّهت للتنظيم في مصر والشرق الأوسط، هرب أعضاء وقيادات الإخوان إلى بريطانيا، لتصبح لندن هي الملاذ الآمن لهذا التنظيم الإرهابي".
وأشار محمد في حديثه مع منصة "المشهد"، إلى أنه "بعد خروج الإخوان من تركيا في السنوات الأخيرة، بدأ إعلامهم ينشط في لندن".
وأكد أنّ "علاقة الإخوان بلندن تمتد لعقود، ولها خصوصيّة، وتتميز عن علاقة التنظيم الإرهابيّ بأيّ دولة أوروبيّة أخرى".
وأضاف، أنّ "الاستخبارات البريطانيّة استخدمت على مدار عقود، الإخوان، كأداة ضدّ مصر ودول المنطقة، ومصدرٍ لجمع المعلومات الاستخباراتيّة".
وهذا ما أكده عمدة لندن كين لفنجستون، في عام 2008، عندما سأله الصحفيون عن خطر هذه التنظيمات، ردّ قائلًا إنّ "جماعة الإخوان كبرى الحركات الإسلاميّة تربطنا بها علاقة جيّدة، وكانت تتلقى تمويلًا ماديًا من الخارجية البريطانية منذ نشأتها".
ما هي العلاقة التاريخيّة بين الإخوان وبريطانيا؟
دعم منذ التأسيس
في هذا الصدد، يقول الباحث المصريّ في الجماعات الإسلامية أحمد بان، إنّ بريطانيا هي التي ساهمت ودعمت التنظيم منذ بدايته، مشيرا إلى أنّ نشأة الإخوان المسلمين في عام 1928 في مصر على يد حسن البنا، كانت في ظلّ سلطة الاحتلال البريطانيّ، التي كانت لا تتسامح مع أيّ تنظيم سياسيّ أو عسكريّ يهدد وجودها ومصالحها في المنطقة.
وأكد بان في حديثه مع منصة "المشهد"، أنّ "بريطانيا كانت تضيّق على كل القوى الحزبيّة والسياسيّة الوطنيّة، لكنها تركت تنظيم الإخوان يتمدد على طول القطر المصريّ، لأنه كان يحقق مصالحها في قطع الطريق على الدولة الوطنيّة، ويعزز وجود حزب دينيّ يخلق الانقسام بين قطبَي الأمة، المسلمين والمسيحيّين، ويُغلق الطريق أمام بزوغ تيّار وطني يستطيع أن يطالب باستقلال مصر.
وبحسب الوثائق الاستخباراتيّة البريطانيّة التي نشرها الكاتب والصحفي البريطاني مارك كورتيس، في عام 2010، تحت عنوان "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكاليّ"، فإنّ بريطانيا دعمت الجماعة عند تأسيسها بمبلغ 500 جنيه.
كما ذكر الكاتب الأميركيّ روبرت دريفوس في كتاب "لعبة الشيطان.. دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلاميّ"، أنّ شركة قناة السويس البريطانيّة، بنت مسجدا بمحافظة الإسماعيليّة في مصر، للبنا، ليكون قاعدة له، واستمرت الاستخبارات البريطانيّة في دعم الجماعة.
وبعد قيام ثورة يوليو 1952، وهروب قادة الإخوان من مصر في فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بدأت مرحلة جديدة من التعاون بين الإخوان المسلمين وبريطانيا، من أجل إضعاف القوميّة العربيّة، بحسب كورتيس.
وأشار إلى أنه برعاية أميركيّة، منحت لندن قادة الجماعة جوازات سفر دبلوماسيّة، وموّلتهم ووفرت لهم الملاذ الآمن، بعد أن طردهم عبد الناصر بعد محاولة اغتياله في 1954.
ويقول الباحث أحمد بان، إنّ بريطانيا احتضنت التنظيم، لأنها أرادات الحفاظ على أوراق بأيديها، للّعب في الدول العربية والضغط بها على أنظمة دول المنطقة للحفاظ على مصالحها.
كما أكد دريفوس في كتابه، أنّ محاولة الإخوان المسلمين لاغتيال عبد الناصر 26 أكتوبر 1954، "لم تكن بعيدة عن يد رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، أنطوني إيدن".
الغرب يحتضن الإخوان
وبعد الحرب العالميّة الثانية، وتراجع دور بريطانيا في الساحة العالميّة، ورثت الولايات المتحدة الدور الذي كانت تلعبه لندن في تحريك الإخوان، وبدأت في استخدامهم كورقة ضغط على الأنظمة العربيّة، بحسب الباحث بان.
ولفت إلى أنّ البيت الأبيض والكونغرس، شهدا اجتماعات بين عناصر من الإخوان وأعضاء الإدارة الأميركية منذ خمسينيات القرن الماضي.
وفي هذا الصدد، يقول دريفوس في كتابه "لعبة الشيطان"، إنّ بريطانيا وأميركا ساعدتا المسؤول العسكريّ والأيدلوجيّ للجماعة، وزوج ابنة البنا، سعيد رمضان، في تكوين تنظيمات للجماعة في عدد من الدول العربية والإسلامية، بل موّلوا مؤتمرات في أميركا كان رمضان من المتحدّثين فيها، كما حدث في عام 1953، عندما شارك في مؤتمر عن الثقافة الإسلاميّة في جامعة برينستون.
كما عقد الرئيس الأميركيّ دوايت أيزنهاور اجتماعا مع سعيد رمضان في البيت الأبيض، في صيف 1953.
وأشار دريفوس، إلى أنّ وثائق الاستخبارات السويسريّة تؤكد أنّ رمضان، الذي رحل إليها في عام 1958، كان عميلًا لبريطانيا وأميركا، لكنها صمّت آذانها عنه، لأنه كان يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.
من جانبه، يقول روبرت بير ضابط المخابرات البريطانية السابق، إنّ واشنطن استخدمت الإخوان كسلاح ضدّ عبد الناصر، بحسب كتاب "لعبة الشيطان".
وبحسب الباحثة البريطانيّة كورتني فرير، في بحثها الذي يدرس تطور جماعة الإخوان في الغرب، فإنّ بداية التنظيم الدوليّ للإخوان، كان على يد رمضان عندما أسس المركز الإسلاميّ بميونيخ عام 1960.
وخلال الحرب الباردة، كان الإخوان المسلمون والتنظيمات الإرهابية، سلاحًا في يد الاستخبارات الأميركيّة والبريطانيّة ضد الاتحاد السوفياتي.
كما أكد مدير المركز الأوروبيّ لمكافحة الإرهاب والاستخبارات، أنه خلال الحرب الباردة، استخدمت بريطانيا الإخوان المسلمين ضد الاتحاد السوفياتي في السابق، وروسيا حاليًا.
ومع بداية السبعينيات، لعب القياديّ الإخوانيّ مصطفى مشهور، الذي كان يتنقل بين لندن والعواصم الأوروبية، دورا كبيرا في تقوية التنظيم الدوليّ ووضع لوائحه.
وفي عام 1997، أسّس القياديّ الإخوانيّ كمال الهلباوي، "الرابطة الإسلامية" في لندن، والتي سيصبح رئيسها في ما بعد، إبراهيم منير، الأمين العام السابق للتنظيم الدوليّ للإخوان.
ومع مرور الأعوام زادت قوة وأنشطة الإخوان، وتمتلك الآن 60 منظمة داخل بريطانيا، من بينها منظمات خيريّة ومؤسسات فكريّة وقنوات تلفزيونيّة، ولديها العديد من المقرات، وأبرزها "مكتب الجماعة" في حيّ كريكلوود شماليّ لندن، بحسب دراسة صادرة عن المركز الأوروبيّ لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين.
"نشر الفوضى"
ومع بداية الألفيّة الجديدة، استخدمت لندن الإخوان كورقة ضغط على الرئيس حسني مبارك، لإدخال إصلاح سياسيّ، بحسب مذكّرة للسفير البريطانيّ آنذاك.
وقال كورتيس إنّ وزارة الخارجية البريطانيّة آنذاك، أيدت هذه السياسة. وأشار إلى أنّ لندن ترى في جماعة الإخوان المسلمين "حصنًا موثوقًا به لأيّ تغيير قوميّ أكثر شعبيةً في مصر والمنطقة، وتعزيز مصالحها".
وأضاف أنّ الحكومات البريطانيّة في سعيها لتحقيق ما يسمى المصلحة الوطنيّة في الخارج، "تواطأت وعملت لعقود مع القوى الإسلاميّة المتطرفة، ودرّبتها على مدار عقود طويلة، بهدف تحقيق أهدافها الخارجيّة".
بدوره، يقول الباحث المصريّ أحمد بان، إنه "بعد دعوة وزيرة الخارجية الأميركيّة السابقة كوندليزا رايس إلى الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط في 2005، قام الإخوان بدور أساسيّ في عملية نشر الفوضى، حتى وصولهم للحكم بعد 2011".
وأشار إلى أنه على الرغم من وجود التنظيم الدوليّ للإخوان في بريطانيا، إلا أنّ المحرك الأساسيّ للجماعة الآن، هي الولايات المتحدة الأميركيّة.
ويرى أنه يوجد تواطؤ غربيّ مع هذا التنظيم، وأنه يستخدمه لتحقيق مصالحه والضغط على الدول العربية طوال الوقت.
وأشار جاسم محمد، إلى أنه منذ 5 أعوام، طرحت الحكومة البريطانيّة السابقة، ضرورة مراجعة خطورة جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه تمّ التحفّظ على هذه التحقيقات.
وأرجع عدم حظر الجماعة في لندن، إلى وجود علاقة تخادم بين السياسيّين في بريطانيا والإخوان المسلمين أيضا.
ولفت إلى أنّ الإخوان يروجون لأنفسهم على أنهم ممثلون للجاليات المسلمة، ويحصلون على ضمانات وتأييد من بعض السياسيّين، مقابل منحهم أصوات الجالية المسلمة.
وأكد بان أنّ الغرب لا يزال يستخدم ورقة الإخوان ضد الدول العربية والضغط عليها.
وبحسب كورتيس في كتابه "الشؤون السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكاليّ"، فقد استفادت بريطانيا من هذه الجماعات بطرق عدة:
• قوة مضادة عالميًا للأيديولوجيّات اليساريّة القوميّة العربيّة والشيوعيّة.
• مساندة النظم الموالية للغرب.
• قوة صدام عنيف تزعزع استقرار الحكومات وتطيح بها إذا اختلفت مع الدول الغربيّة.
• استعمالها أدوات سياسيّة لدفع الحكومات للتغيير.