hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 حبس منزلي للأطفال.. كيف تحولت الطفولة إلى جريمة في القدس؟

المشهد

المحاكم الإسرائيلية فرضت الحبس المنزلي على أطفال القدس (رويترز)
المحاكم الإسرائيلية فرضت الحبس المنزلي على أطفال القدس (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • أطفال القدس وذووهم يروون لمنصة "المشهد" تجاربهم القاسية في تنفيذ سياسة الحبس المنزلي.
  • مركز معلومات وادي حلوة بالقدس: عشرات الأطفال المقدسيين يعانون سياسة الحبس المنزلي الإسرائيلي.

تحت ظل أسوار القدس القديمة وأبراج الأحياء الاستيطانية المنتصبة فوق أحيائها والمتغلغلة فيها، تُختطف الطفولة بحُكم قضائي، ليست قضبان السجون الإسرائيلية التي تحبس أجسادا صغيرة لم تعرف من الحياة إلا قسوة الاحتلال، بل تحوّل البيت الذي من المُفترض أن يكون ملاذا آمنا إلى زنزانة عزل، ينفذ فيه "الحبس المنزلي"، بحق أطفال لم تتجاوز أحلامهم جدران أحيائهم الضيقة، في مشهد يناقض أبسط مبادئ الإنسانية والقانون الدولي.

في سابقة خطيرة تُمأسس "لعقاب جماعي" وفق مراقبين لمنصة "المشهد"، تتحوّل غرف نوم الأطفال المقدسيين إلى سجون مغلقة، وتتبدل أصوات ألعابهم بصراخ الجنود الإسرائيليين على أبوابهم، وتستبدل وجوه الأهالي المطمئنة بأجهزة مراقبة تركب على الجدران، وما بين رواق المحكمة العسكرية الإسرائيلية وغرفة الطفل المحبوس، تختزل قصة انتهاك منظم لحقوق الإنسان، وتُكتب فصولٌ من معاناة يومية لجيل كامل يواجه سياسة قمع وانتهاك، تسلبهم حريتهم وتعليمهم وصحتهم النفسية تحت مسمى "الحبس المنزلي".

الحبس المنزلي في القدس

يخضع عشرات الأطفال المقدسيين حالياً لعقوبة الحبس المنزلي التي تفرضها المحاكم الإسرائيلية، حيث يحظر عليهم مغادرة منازلهم لساعات طويلة يومياً، وفي بعض الحالات لمدة 24 ساعة، مما يحرمهم من التنشئة الاجتماعية، والتعليم، وممارسة الحياة الطبيعية.

في حي سلوان بالقدس، يعيش الطفل أحمد (14 عاماً) حبساً منزلياً منذ 6 أشهر، تقول والدته لمنصة "المشهد" والحزن يسيطر عليها، "ابني أصبح سجيناً في غرفته الصغيرة، تتهمه القوات الإسرائيلية بإلقاء الحجارة، حالته النفسية متردية بعدما ضعف بصره بسبب قلة التعرض للضوء الطبيعي، وكذلك انقطاعه عن مدرسته تماماً، وهو ممنوع حتى من الخروج أمام المنزل للعب واللهو مع رفاقه، ببساطة هذا حبس تعسفي ومقصود بحق أطفال القدس".

أحد هؤلاء الأطفال أيضاً هو يوسف (12 عاماً) من بلدة العيسوية بالقدس، الذي يقضي الآن شهره الثالث تحت الحبس المنزلي بعد اتهامه برمي حجارة على القوات الإسرائيلية، يصف والده عقوبة الحبس المنزلي لـ"المشهد" بأنها "لا تتناسب مع عمره، ولا مع التهمة الموجهة إليه"، مضيفاً، "يوسف محبوس في غرفة لا تتجاوز مساحتها 10 أمتار مربعة، محروم من المدرسة، واللعب مع أصدقائه، حتى من ضوء الشمس، وابني يخاف من صوت جرس الهاتف أو دق الباب، فذلك يعني قدوم الجنود الإسرائيليين".

"وضعوا جهاز تتبع في ساقي، وثبتوا كاميرا مراقبة في مدخل البيت، إذا اقتربت من الباب، يتصل الجندي فوراً ويقول ارجعي إلى الداخل"، تروي الطفلة سيلين (14) عاماً عن تجربتها القاسية مع سياسة الحبس المنزلي لـ"المشهد" التي عايشتها العام المنصرم، ودموعها لاتتوقف.

وتؤكد والدتها لـ"المشهد"، بأن التهمة لفقتها القوات الإسرائيلية ضد طفلتها سيلين، "نعيش في القدس القديمة، والاستهداف يطال كافة الأعمار، اتهموا طفلتي بمضايقة مستوطن والاعتداء عليه في السوق، تجربتها مريرة وعصيبة، أثرت سلباً على سلوكها ونفسيتها، ونحن الآن نعالجها للتخلص آثار الحبس المنزلي، فهي تعاني نوبات هلع وكوابيس ليلية مستمرة".

تهديد مستقبل التعليم

تطبق السلطات الإسرائيلية سياسة الحبس المنزلي تجاه الأطفال المقدسيين بشكل ممنهج، لتطال مئات الأطفال سنوياً، يؤكد مختصون لـ"المشهد" بأن هذه السياسة، تهدد مستقبلهم التعليمي بشكل مباشر، ورغم أن أغلبهم يحرمون من الانتظام المدرسي، لا توفر السلطات الإسرائيلية أي بديل تعليمي لهؤلاء الأطفال المحبوسين في منازلهم.

تشير بيانات جمعتها مؤسسات حقوقية فلسطينية، أن "عشرات الأطفال المقدسيين يخضعون للحبس المنزلي بدرجات متفاوتة، منهم حوالي 80% انقطعوا كلياً او جزئياً عن التعليم النظامي، معظمهم تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً، أي أنهم في مراحل تعليمية حساسة تحدد مستقبلهم الأكاديمي.

وهذا ينطبق على عمر (14 عاماً) من حي الشيخ جراح بالقدس، الذي كان من أوائل الطلبة على مدرسته قبل فرض الحبس المنزلي عليه لمدة 10 أشهر، يعتصر الألم والده ويشكو لـ"المشهد" تراجعه الأكاديمي، "لقد انخفض معدله لـ50% بعدما كان يحصل على 95%، توفر له المدرسة أوراقاً للدراسة والمتابعة، لكن كيف يدرس بدون الصف المدرسي، وشرح المعلم، وفوق كل ذلك وهو محبوس، الامتحانات تأتي عليه وهو في حالة نفسية صعبة".

وفي هذا الصدد، تشير المعلمة سيرين في مدرسة بالقدس، "لدينا 6 طلاب تحت الحبس المنزلي في بيوتهم، بعضهم يحصل على أوراق دراسية، والبعض الآخر انقطع عن الدراسة كلياً بفعل وضع الحبس المنزلي الذي لا يسمح لهم بالخروج على الإطلاق، حتى الذين يذهبون للمدرسة، ترافقهم القوات الإسرائيلية داخل الحافلة المدرسية، مما يضعهم في حالة نفسية صعبة".

عواقب وخيمة

من جانبه، أكد المحامي سراج أبو عرفة، الحقوقي في مركز معلومات وادي حلوة بالقدس، لمنصة "المشهد"، أن "الحبس المنزلي يشكل تحديات كبيرة للعائلات بالقدس، ويقود لأضرار اقتصادية، إذ يجب أن يحضر أحد الوالدين مع الطفل طوال الوقت بالمنزل، وهذا يؤثر على استقرار الأسرة والطفل المحبوس بالمنزل، وفي أغلب الحالات يفقد أحد الوالدين وظائفهم ناهيك عن الآثار النفسية المدمرة على الأطفال وذويهم".

وأشار أبو عرفة بأن "الحبس المنزلي يتعارض مع القوانين الدولية التي تعنى برفاهية الأطفال، حيث إن الهدف من الحبس المنزلي هو تقييد حرية الأطفال، وتستمر السياسات الإسرائيلية في استخدام الحبس المنزلي كأداة لتقييد حرية الأطفال في القدس، مما يؤدي إلى تفاقم معاناة العائلات الفلسطينية، ويشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان والقوانين الدولية، فإسرائيل تستخدم الحبس المنزلي كبديل للحبس المؤسساتي لتجنب الانتقادات الدولية، لكنه في الحقيقة انتهاك مضاعف، فهو، أولاً، ينتهك اتفاقية حقوق الطفل، ثانياً، يعاقب العائلة ككل، وليس الطفل فقط، ثالثاً، يحرم الطفل من بيئته الطبيعية، رابعاً، يستخدم وسائل مراقبة مهينة".