عادت ساحة التحرير وسط بغداد لتمتلئ بالمحتجين، الذين جددوا مطالبهم بمكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة السياسية والكشف عن انتهاكات تشرين 2019، لكن هذه المرة تركّزت انتقادات الشارع العراقي على وصول قوى مرتبطة بفصائل مسلحة إلى مناصب سياسية داخل الحكومة العراقية.
ورفع المتظاهرون شعارات مرتبطة بضرورة إنهاء التدخل الخارجي، ورددوا وسط الساحات "إيران برا برا"، مجددا الأسئلة حول موقف الحكومة العراقية وتقاطعها الحقيقي مع المطالب الشعبية، في ظل سيطرة قوى مرتبطة بطهران على مفاصل الحكم داخل الدولة، وفي مقدمتها وزارة الداخلية التي تم تسليمها لياسر المالكي زوج ابنة زعيم دولة القانون نوري المالكي.
وصوّت البرلمان العراقي خلال جلسته الأخيرة منتصف أكتوبر الحالي، على 9 وزارات شاغرة، إضافة إلى استحداث وزارات جديدة وإعادة تفعيل منصب نائب رئيس الحكومة، ما زاد من غضب الشارع العراقي، خصوصاً أن معظم التعيينات جاءت لمصلحة شخصيات مقرّبة من الأحزاب الحاكمة.
وتزامن إحياء احتجاجات تشرين 2019، مع انتشار معلومات تُفيد بظهور خلافات بين بعض الفصائل المسلحة التي حصلت على مكتسبات سياسية وبعضها الآخر الذي رفض تسليم السلاح، في حين تحاول قوى الإطار التنسيقي احتواء الموقف على المستوى الشعبوي والسياسي. فهل تتوسع احتجاجات تشرين ويبدأ الصراع بين الفصائل المسلحة؟
صراع على السلطة
وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أنّ تنصيب ياسر المالكي وزيراً للداخلية أثار موجة من الانتقادات داخل الوزارة نفسها، حتى أن ضباطا كبارا برتبة فريق ولواء اعترضوا على تنصيبه، هذا الغضب السياسي انتقل إلى الشارع العراقي، وتفجّر في الذكرى الـ7 لاحتجاجات تشرين 2019. فاتجهت الحشود العراقية إلى الشوارع ولديها أسئلة للزيدي، في مقدمتها: كيف تصل شخصيات مرتبطة بإيران للسلطة؟
وبحسب المصادر ذاتها، فإن قيادات داخل حزب الدعوة أقدم وأكثر كفاءة من نوري المالكي لم يتمكنوا من الحصول على دورهم الحقيقي في العمل السياسي، لأن نوري المالكي نجح بلجمهم وتعيين زوج ابنته رنا وزيراً للداخلية، بينما قام بعض ضباط الوزارة بإلغاء الاجتماع الذي كان مقرراً لنقض قرار المالكي بتعيين قريبه وزيراً لوزارة مهمة كالداخلية.
كما أنه وبحسب المصادر، في اليوم الأول للاحتجاجات 25 أكتوبر 2026، وصلت مجموعة من كتائب "النجباء" إلى ساحة التحرير وسط بغداد، حاولت الدخول بين المتظاهرين، لكن لم تجد أي ترحيب من العراقيين السلميين الذين رفضوا مشاركة "النجباء" في الاحتجاجات، فانسحبت بشكل كامل.
ويقول القيادي السابق في منظمة بدر عبد الرزاق الحيالي، لمنصة "المشهد"، إن ما يجري الآن داخل كواليس الفصائل المسلحة ليس خلافاً بل صراع على السلطة، لأن هذه الفصائل بمجملها تمتلك السلاح والمال والنفوذ، فأي خلاف بينها قد يتحول إلى صراع مسلح. خصوصاً أن إيران مشغولة اليوم عن هذه الفصائل في ظل الحرب التي تخوضها.
ويوضح الحيالي، أن قوى الإطار التنسيقي تحاول تأجيل هذا الصراع، لكن لا يمكنها إعطاء ضمانات حقيقة لمنعه، لأن الإطار التنسيقي ليس حزبا شيعيا واحدا، بل مجموعة من القوى السياسية التي تتقاسم السلطة والمصالح، وكل حزب له حساباته وعلاقاته ونفوذه، ورغم تأثير العامل الإيراني على إدارة خلافاته لكن هذا التأثير لا يعني بالضرورة قدرته على السيطرة على جميع الأطراف.
وتابع "توجد فصائل محددة بدأت تتمرد على القرار الإيراني، بعد مقتل الصف الأول والثاني من النظام الإيراني، وإذا تصاعد صراع الفصائل العراقية على المناصب الأمنية والوزارات، ستعمل على تحريك الشارع لخدمة مصالحها وحشد أنصارها وتنظيم تظاهرات، وستستغل احتجاجات تشرين لتحقيق مكاسب سياسية".
هل سيحاسب الزيدي قتلة "تشرين"؟
وقدّم المتظاهرون جملة من المطالب لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، كان أبرزها الكشف عن قتلة المتظاهرين خلال احتجاجات تشرين 2019 وإنهاء التدخلات الخارجية، ورغم أن وفد الزيدي استلم مطالب المتظاهرين ووعد بتنفيذها، فإن قوى سياسية شككت بقدرته على الإيفاء بوعده.
وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أنه خلال أحد اجتماعات قوى الإطار التنسيقي قبل 3 أسابيع، تحدث زعيم "منظمة بدر" هادي العامري للزيدي بطريقة حادة مطالباً الأخير بالتوقف عن المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، مذكراً الزيدي أن قوى الإطار هي من وضعته في السلطة، ويمكنها عزله في أي وقت تشاء.
وكان العامري قد وصف مؤخراً ثورة تشرين 2019 بـ "الفتنة" التي وقفت "المقاومة" في وجهها، وحفظت الدولة والنظام السياسي بفضل الدماء الطاهرة لقادة الانتصار" ما اعتبره العراقيون بأنه بمثابة اعتراف علني بقتل المتظاهرين السلميين.
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إن الزيدي عاجز عن محاسبة العامري أو غيره من القوى السياسية المقرّبة من الفصائل المسلحة، كما أن كل ما تم تداوله عن تسليم السلاح للحشد الشعبي، كان مجرد بيانات إعلامية، ولم يتم تسليم أي قطعة سلاح على أرض الواقع.
وصاحب القرار، بحسب القيسي، بمحاسبة قتلة تشرين أو حصر السلاح بيد الدولة، ليس رئيس الوزراء بل قوى الإطار التنسيقي التي تسيطر على العملية السياسية العراقية، والدليل على ذلك استلامها معظم وزارات الدولة في حكومة الزيدي نفسها. مضيفاً: "السلاح بيد الحشد الشعبي، وكل ما يتم تداوله عن حصر السلاح هو لعبة تُدار من قبل حكومة بغداد".
وكان رئيس أركاد الحشد "أبو فدك المحمداوي" صرّح مؤخراً تصريحا إعلاميا واضحا من قلب طهران، قائلاً: "نحن تحت ولاية الفقيه سنساند الجبهة الإيرانية". وعن ذلك يقول القيسي: الفصائل المدعومة بالنفوذ الإيراني قمعت تشرين سابقاً وسوف تقمعها مستقبلاً في حال توسّعها".
ويصف الكاتب والمحلل السياسي علي حبيب، احتجاجات تشرين بأنها لم تعد مجرد حركة احتجاجية مرتبطة بظروف 2019 بل أصبحت قضية حقوقية مفتوحة، كما أن عودة المتظاهرين إلى ساحة التحرير تحمل رسالة إلى الحكومة بضرورة تغيير مسارها لتقف إلى جانب الجماهير، هنالك مطالبات مستمرة لمعرفة من قتل شباب تشرين؟
ويقول حبيب لمنصة "المشهد": "قد يؤدي التعامل الأمني العنيف مع المتظاهرين إلى نتيجة عكسية، لذلك من المهم أن تستمع الحكومة إلى الشعب العراقي وليس فقط الإعلان عن تأسيس لجان شكلية، لكن إلى الآن لا توجد دلالات على توسّع الاحتجاجات أو انتقالها إلى محافظات أخرى خارج بغداد. إلا أن سقوط أي ضحية جديدة قد يفتح الباب لتشرين ثان وسط أزمات اقتصادية قاسية يعيشها الشعب العراقي".
خريطة الفصائل المسلحة
وحول خريطة الفصائل العراقية المسلحة بعد انتقال بعضها للعمل السياسي، يشرح الخبير الأمني محيي الدين محمد يونس لمنصة "المشهد": لا يوجد أي تغيير حقيقي في نشاط الفصائل على أرض الواقع، التغييرات فقط إعلامية للتخفيف من الضغط على هذه الفصائل، خصوصاً أن وصولها للسلطة جعلها أكثر قوة وأعطاها الشرعية، وحولها من المواجهة المخفيّة إلى المواجهة الظاهرة.
وحول الموقف الأميركي يجيب يونس: "واشنطن وافقت على وصلهم إلى السلطة، لأنها ترغب بمشاهدة مشهد واضح للفساد، وهي محاولة لاستفزاز الجهات الصامتة التي لم تتخذ أي موقف، لتبنيّ موقف معاد للفصائل، هذا ما حدث عندما تظاهر مئات العراقيين مطالبين بخروج إيران من البلاد وسؤال الزيدي عن كيفية وصول فصائل مسلحة للسلطة!".
وعلى المستوى الشعبي، يرى الكاتب والصحفي العراقي منتظر ناصر أن 25 أكتوبر هو موعد سنوي لإحياء انتفاضة تشرين، إلا أن استحداث وزارات جديدة، تعيين الأقارب والأشقاء والأصدقاء، تكريس المحاصصة الحزبية، والآفاق المظلمة في الاقتصاد، أنتجت غضبا جماهيريا، خصوصاً داخل أوساط الشباب المتعلم وأصحاب الشهادات الأكاديمية وذوي الخبرة العلمية، كلها ساهمت إلى حد كبير في هيجان الشارع العراقي.
ويوضح الناصر لمنصة "المشهد"، أن انبثاق حركات احتجاجية حول العالم، كما يحدث الآن في فرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول، أعادت الروح إلى الحركة الاحتجاجية في العراق. لكن هنالك نقطة مهمة وهي أن الأحزاب الحالية في السلطة أجّلت مسألة حسم نوّاب رئيس الجمهورية، وهنالك قرارات بتعيين زعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض نوّاباً لرئيس الجمهورية.
ولكن، بحسب الناصر، تم تأجيل إعلانها بناءً على معطيات الحركة الاحتجاجية والتظاهرات التي خرجت يوم أمس إلى ساحة التحرير، مضيفاً: أعتقد بمجرد انتهاء التظاهرات سيتجرأ السياسيون على إعلان هذه الشخصيات كنوّاب لرئيس الجمهورية. هذا الاستفزاز سيضاف إلى نقاط الاستفزاز الأخرى التي ستهيّج الشارع من جديد.



