hamburger
userProfile
scrollTop
أخبار

exclusive
 من التهميش إلى الإعدام.. كيف تقمع إيران الأقليات القومية والمذهبية؟

آخر تحديث:

المشهد

ما الذي يخبرنا عنه اغتيال رجل دين سني بإيران (أ ف ب)
ما الذي يخبرنا عنه اغتيال رجل دين سني بإيران (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • إيران توصل اتباع سياسات تقوم على الإقصاء والتهميش.
  • السجل الحقوقي في إيران بحق الشعوب غير الفارسية يحفل بانتهاكات عديدة وخطيرة.
  • مراقبون: أوضاع الأقليات الدينية والقومية في إيران تكشف اعتماد السلطات المقاربة الأمنية القمعية.

تواصل إيران اتباع سياسات تقوم على الإقصاء والتهميش، فضلًا عن ممارسات تصفها تقارير حقوقية بأنها تستهدف الهوية والوجود الثقافي والمجتمعي لبعض المكونات، وذلك من خلال وسائل مختلفة تشمل الاغتيالات والاحتجاز القسري، وكذلك تعميم سياسة "تفريس" المناطق ذات الأغلبية العربية والكردية، وفرض التشيّع على السنّة وطوائف أخرى.

السجل الحقوقي

وليس خافيًا أن السجل الحقوقي في إيران بحق الشعوب غير الفارسية، كالعرب السنّة والأكراد وغيرهم، يحفل بانتهاكات عديدة وخطيرة.

وبحسب مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، تكشف أوضاع الأقليات الدينية والقومية في إيران، خصوصًا السنّة والبلوش، عن اعتماد السلطات الإيرانية على المقاربة الأمنية والقمعية في التعامل مع مطالب الهوية والحقوق السياسية والاجتماعية، في ظل عقود من التهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي والثقافي.

وبينما تصف طهران كثيرًا من التحركات المعارضة بأنها امتداد لأجندات خارجية، وتتهم المشاركين فيها بـ"العمالة" و"الإفساد في الأرض"، وهي اتهامات قد تقود خصوم "الولي الفقيه" إلى أحكام بالإعدام، فإن منتقدي النظام يرون أن هذه التهم لا تعدو كونها وسيلة دعائية لشرعنة القبضة الأمنية المشددة، بالتوازي مع سياسات متعمدة لإضعاف نفوذ الأقليات وإبقائها تحت السيطرة، وذلك من خلال تغييب التنمية والإفقار المتعمد في مناطقهم.

اغتيال رجل دين سني

وأعادت حادثة مقتل رجل الدين السني مولوي يوسف كركيج في زاهدان، مؤخرا، جانبًا من هذه الصورة المعتمة التي راكمتها سياسات النظام الإيراني تجاه السنّة والقوميات والطوائف التي تقف على النقيض من سياساته.

وتتزامن الحادثة مع توترات تشهدها مناطق في بلوشستان. وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا" أن رجل الدين السني قضى برصاص مسلحين مجهولين في جنوب شرق إيران، الاثنين.

وحذّر خبراء أمميون في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من تصاعد الانتهاكات بحق الأقليات العرقية في إيران، داعين السلطات إلى وقف الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب والإعدامات، خصوصًا بحق الأكراد والبلوش.

وقال الخبراء، في بيان صدر في 6 أغسطس الماضي، إن آلاف الأشخاص اعتُقلوا منذ اندلاع الاحتجاجات في ديسمبر 2025، وسط تقارير عن تعرض بعضهم للتعذيب وانتزاع اعترافات قسرية، فضلًا عن حالات اختفاء قسري.

وأشار البيان إلى إعدام 24 شخصًا من الأقلية البلوشية و22 من الأقلية الكردية خلال العام الحالي، محذرًا من أن آخرين يواجهون خطر الإعدام الوشيك.

واتهم الخبراء السلطات باستخدام قوانين واتهامات فضفاضة مرتبطة بالأمن القومي، بينها "محاربة الله" و"الإفساد في الأرض"، خصوصًا بحق أبناء الأقليات.

قضية التهميش

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، إن التهميش الذي طال ولا يزال السنّة في إيران، سواء في بلوشستان أو كردستان أو الأهواز ومناطق أخرى، لا يمكن اختزاله في سياسات "الجمهورية الإسلامية" وحدها، بل تمتد جذوره إلى مرحلة بناء الدولة الإيرانية الحديثة وترسيخ نموذج الدولة المركزية في عهد رضا شاه.

وأوضح عبد الرحمن أن صعود رضا شاه إلى السلطة شهد عملية واسعة لإعادة بناء الدولة على أسس مركزية، شملت تقليص نفوذ القوى المحلية والقبلية، وفرض هوية وطنية ولغوية أكثر تجانسًا، وهي سياسات طالت مختلف القوميات غير الفارسية، من الأكراد والبلوش والعرب والتركمان وغيرهم.

وأضاف أن العامل المذهبي أُضيف إلى العامل القومي بالنسبة إلى السنّة، خصوصًا بعد قيام نظام "الولي الفقيه" عام 1979 وترسيخ نظام سياسي يقوم على المذهب الشيعي الإثني عشري. ونتيجة لذلك، واجه السنّة في مناطق مثل كردستان وبلوشستان والأهواز أشكالا مختلفة من التمييز السياسي والديني، إلى جانب قيود على ممارسة هويتهم الدينية والثقافية والمشاركة السياسية.

وأشار إلى أن السلطات الإيرانية غالبا ما تتعامل مع المطالبات القومية أو المذهبية من منظور أمني، باعتبار أن تنامي التنظيم السياسي أو القومي في الأطراف قد يشكل تهديدا لسلطة المركز. لكنه شدد على أن هذه السياسات لا تقتصر على السنّة، إذ طالت أيضا جماعات شيعية غير فارسية، وفي مقدمتها العرب في إقليم الأهواز، ما يجعل القضية، في تقديره، أوسع من الانقسام السني الشيعي، وترتبط بطبيعة الدولة المركزية وقضايا الهوية واللغة والسيطرة السياسية والاقتصادية على الأطراف.

وتوقف عبد الرحمن عند إقليم الأهواز، الذي عُرف في أجزاء واسعة منه تاريخيا باسم عربستان، مشيرا إلى أن الشيخ خزعل الكعبي كان يتمتع بنفوذ وسلطة محلية واسعة قبل أن ينهي رضا شاه هذه السلطة في إطار مشروعه لبناء دولة مركزية. وأوضح أن خزعل أُخضع عام 1925 ونُقل لاحقا إلى طهران، حيث ظل تحت المراقبة حتى وفاته عام 1936.

هوية وطنية

وأضاف أن الإقليم شهد، خلال مراحل مختلفة، سياسات استهدفت إعادة تشكيل هويته اللغوية والثقافية، من بينها تغيير أسماء عدد من المدن والمناطق العربية وتعزيز استخدام اللغة الفارسية، بما انسجم مع مشروع بناء هوية وطنية أكثر تجانسًا.

وبحسب المحلل السياسي الإيراني، استمرت مظاهر هذه السياسات، بأشكال مختلفة، خلال عهد محمد رضا شاه، ثم اتخذت أبعادا جديدة بعد قيام الجمهورية الإسلامية، مع استمرار شكاوى تتعلق بالتمييز في مجالات العمل والسكن والحقوق المدنية والسياسية، فضلا عن الاعتقالات والإجراءات الأمنية التي طالت ناشطين عربا في الإقليم.

ولفت إلى ظاهرة التحول المذهبي لدى بعض العرب الأهوازيين من التشيع إلى التسنن، معتبرًا أنها أصبحت أكثر حضورا لدى بعض الفئات، خصوصا الشباب.

وعزا ذلك إلى مجموعة من العوامل، من بينها التواصل مع العالم العربي وتأثير وسائل الإعلام والقنوات العربية ذات التوجه السني، إلى جانب عوامل داخلية مرتبطة بالهوية والشعور بالتهميش.

ويرى عبد الرحمن أن العربي الأهوازي السني قد يجمع بين عوامل حساسة عدة في نظر السلطات، فهو عربي من الناحية القومية، وسني من الناحية المذهبية، وقد يطالب في الوقت نفسه بحقوقه السياسية والثقافية، بينما يعيش في منطقة تتمتع بأهمية إستراتيجية وثروات كبيرة من النفط والغاز والمياه والأراضي الزراعية.

وأكد عبد الرحمن أن البعد الاقتصادي والبيئي يمثل عاملًا أساسيا في فهم التوتر في الأهواز، مشيرا إلى أن الإقليم، رغم غناه بالنفط والغاز، يعاني مشكلات مزمنة تتعلق بالتنمية والخدمات والمياه والتلوث.

توترات متكررة

وأضاف أن سياسات إدارة الموارد المائية وبناء السدود وتحويل جزء من المياه إلى مناطق أخرى أصبحت مصدرا متكررا للتوتر والاحتجاج، إلى جانب الشعور بعدم استفادة السكان المحليين بصورة متناسبة من ثروات المنطقة.

وختم عبد الرحمن حديثه قائلا إن التهميش والاعتقالات والإعدامات والقمع السياسي، عندما تطال جماعات قومية أو مذهبية، ينبغي النظر إليها ضمن منظومة أوسع تتداخل فيها المركزية السياسية والتمييز القومي والمذهبي والسياسات الأمنية ومحاولات إخضاع الأطراف لسلطة المركز.

ويبدو أن النظام الإيراني يعتمد على القمع آليةً للتعامل مع الأقليات الدينية، بما في ذلك الأقلية السنية التي تعيش في إيران، وخصوصا الأقلية البلوشية في الشرق، خصوصًا أن قطاعا منهم حمل السلاح في مواجهة الدولة بعد عقود من التهميش الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي والسياسي، بحسب الباحث المختص في الشأن الإيراني بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية الدكتور محمود حمدي.

ويقول حمدي لـ”المشهد": "يتبنى النظام سياسة ممنهجة من أجل وأد أي مطالب تخص الأقليات الدينية والعرقية، وتقوم هذه السياسة أساسا على القمع والأساليب الأمنية القاسية، بما في ذلك الإعدامات والأحكام المشددة".

كما أن إفقار هذه المناطق يتم بصورة متعمدة لتسهيل السيطرة عليها، ومن ثم، فالنظام يعمل على الدمج القسري لهذه الأقليات، من دون استيعاب للمطالب الخاصة، بحسب حمدي.

هندسة الديمغرافيا

وتابع: "يتبنى النظام سياسة لهندسة الديمغرافيا بهدف تشتيت قوة الأقليات، وإضعاف موقفها في مواجهة الأغلبية الفارسية الشيعية، وتظل العمالة للخارج تهمة جاهزة لأي صوت معارض للنظام من الأقليات المختلفة، بما في ذلك الأغلبية السنية في مناطقهم".

ويقول الباحث المختص في الشأن الإيراني إن النظام في طهران اعتمد رواية تلفيقية بخصوص حادثة اغتيال رجل الدين السني، وذهب إلى تحميل جهات خارجية المسؤولية عن العملية الدموية، باعتبار أن هذا الخطيب كان أحد المؤيدين للنظام، وممن يدعمون التماسك الشعبي والوحدة الوطنية، "لكن في الحقيقة أن هذه الرواية يمكن التشكيك فيها بسهولة، إذ إن استهداف جهات خارجية لعناصر لا تشغل مناصب رسمية مؤثرة ومن السنّة ليس له سوابق في إيران، فالاغتيالات التي تقوم بها إسرائيل غالبا تكون بحق قيادات سياسية وميدانية، وبالأساس توقفت هذه العمليات خلال المرحلة الراهنة، ناهيك عن أن عمليات كتلك يكون مردودها عكسيا ويصبّ في مصلحة النظام".

ومن ثم فإن الاستهداف على الأرجح داخلي، وربما يرتبط بالحراك المتزايد في المناطق البلوشية ضد الملالي، والذي لم يتوقف في هذه المناطق على الرغم من الحرب، وربما كان سببًا في تكثيف الحضور الأمني فيها، كما يشير المصدر ذاته، وهو ما "تعوّل عليه واشنطن وتل أبيب لممارسة ضغوط داخلية على النظام في ظل أوضاعه المتردية".

news_suggested_videos_المشهد اليوم 15-09-2026
play