ما زال الحراك الجنوبي في اليمن يواصل بعث رسائله محليا وخارجيا تجاه ضرورة التمسك بدور المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره ممثلا لقضية الجنوب، وكذلك التمسك بالإعلان الدستوري الذي تم الإعلان عنه في يناير الماضي، الأمر الذي يبدو مؤشرًا على وجود "أثر ملموس للحراك في المزاج الدولي" وبين دوائره، إذ يجعل ثمة احتمالية لتدشين استفتاء يضمن حق تقرير المصير، وفق قيادي بالمجلس الانتقالي الجنوبي تحدث لمنصة "المشهد".
الحراك الشعبي الجنوبي
وبحسب المصدر ذاته ومراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن الأسابيع الماضية شهدت تصعيدًا لافتًا في الحراك الشعبي الجنوبي، الذي قاده المجلس الانتقالي في مختلف محافظات الجنوب، وترك أثرًا مباشرًا على الموقف الدولي تجاه قضيته ومكانته السياسية.
وهذا الحراك الجماهيري المستمر أعاد ترسيخ المجلس كقوة شعبية وسياسية متماسكة، وعزّز قدرته على التأثير داخليًا وخارجيًا، كما تشير المصادر ذاتها، وذلك من خلال رسائل واضحة بأنّ المجلس وبخلاف القوى الإقصائية له حضور مؤثر وفعّال بينما يملك شرعية من خلال حواضنه، وأنّ "دوره على الأرض لا يمكن تقليصه أو إضعافه"، ما دفع الأطراف الإقليمية والدولية لإعادة تقييم موقفها من الجنوب.
كما أبرز الحراك "تمسك الشعب الجنوبي بحقوقه الوطنية وثوابته، ورفضه المساومة على قضيته العادلة"، وفق المصادر مؤكدين استمرار الضغوط الشعبية حتى تحقيق مطالب ملموسة على الأرض، بما في ذلك استعادة السيادة الكاملة، وإجراء استفتاء يضمن حق تقرير المصير، ويضع حدًا للمماطلة السياسية.
وتتواصل المليونيات في عدّة محافظات بجنوب اليمن ضمن مسيرات تحشيدية هائلة تحت شعار "الثبات والصمود والتحدي". ففي محافظة الضالع أمس هتف المتظاهرون بتأييد الانتقالي الجنوبي بينما رفعوا أعلام "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" السابقة في جنوب اليمن، ونددوا بما اعتبروه "مخططات (رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي) في الالتفاف على مطالب الجنوبيين وإقصائهم من الشراكة".
وعاود المحتجون التأكيد على التفويض الشعبي للانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي، بوصفه "حاملًا سياسيًا" للقضية الجنوبية سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي والدولي.
وشدّد البيان الختامي للحراك على "الرفض القاطع لأيّ ترتيبات تحت مسميّات الشراكة الزائفة"، مشيرًا إلى مضيّ "شعب الجنوب نحو استعادة دولته كاملة السيادة وتحقيق تطلعاته بإرادته الحرّة".
رؤيتان متناقضتان
في حديثه لـ"المشهد" قال القائم بأعمال رئيس الجمعية الوطنية بالمجلس الانتقالي الجنوبي نصر هرهرة إن الأسابيع الماضية شهدت تصاعدًا لافتًا للحراك الشعبي الجنوبي، الذي كان له أثر ملموس على المواقف السياسية الدولية تجاه قضية الجنوب وكذلك المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويقول هرهرة إن "الدوائر الدولية تداولت قبل هذا الحراك الشعبي الواسع والمستمر رؤيتان متناقضتان؛ الأولى ترى أنّ المجلس الانتقالي قد تم حلّه وأن دوره على الأرض في الجنوب قد تراجع، والثانية تؤكد استمرار نشاطه ودوره بل واعتبار ذلك بمثابة أمر ضروري، ومن ثم، فقد أثرت التظاهرات الجماهيرية بشكل كبير في كلا الاتجاهين، لكنها كانت أكثر وضوحًا في دعم الرؤية الثانية.
وتابع: "أدت التحركات الشعبية والسياسية التي قادها المجلس الانتقالي في مختلف محافظات الجنوب إلى تعزيز شعبيته وكسب حالة جماهيرية غير مسبوقة، ما أعاد ترسيخ مكانته كقوة سياسية مهمة ومؤثرة، خصوصًا أنه يتمتع بتماسك داخلي أكبر مما كان عليه في السابق ويمتلك حواضن قادرة على الحضور الميداني والسياسي والاصطفاف الدائم للتأكيد على مطالبها واستحقاقاتها".
وهذه الديناميكية الجديدة ساهمت في تحول الرأي الدولي، حيث بدأ القسم الأكبر يدرك أن المجلس الانتقالي الجنوبي "ليس في طريق الانحلال تحت الإكراه وقسرًا، بل على العكس، يكتسب قوة شعبية وسياسية متنامية"، وفق القائم بأعمال رئيس الجمعية الوطنية بالمجلس الانتقالي الجنوبي.
كما شدّد هرهرة على أن هذه التظاهرات الشعبية الحاشدة تعدّ مؤشرًا على قدرة المجلس الانتقالي على "تعبئة جماهير الجنوب ودفع الملف السياسي إلى مربعات جديدة من النفوذ والتأثير". فيما يعكس هذا الحراك الشعبي "تحولًا نوعيًا" في العلاقة بين القوة الشعبية والشرعية السياسية للمجلس الانتقالي، إذ أصبح وجوده على الأرض أكثر رسوخًا، بعد القدرة على التعبئة الجماهيرية التي مثّلت "أداة ضغط ذات تأثير مزدوج"، سواء داخليًا تجاه المكونات السياسية الأخرى الإقصائية، أو خارجيًا في ما يخص الموقف الدولي الذي بدأ يعيد تقييم موقفه من المجلس، بما يؤشر لاحتمالات كسب ثقة دولية لعمل استفتاء يضمن للجنوب حق تقرير مصيره.
ويختتم حديثه قائلًا: "أعاد الحراك الجنوبي فرض واقع المجلس الانتقالي على الساحة الدولية، وتبديد محاولة الإقصاء والتهميش أو تقليص دوره وإضعافه".
زلزال شعبي
الأكاديمي والباحث اليمني المختص في الشؤون السياسية الدكتور أمين العلياني يقول إن ما تشهده ساحات الجنوب هو "زلزال شعبي هادئ يعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة برمتها. إنها مشهدية استثنائية تعكس حالة وطنية فريدة تمتلك كل مقومات النجاح، من المشروعية التاريخية إلى الحق القانوني، وصولًا إلى التفويض الشعبي المطلق".
ويقول العلياني لـ"المشهد" إنه يمكن قراءة لغة هذه الحشود سواء أكانت على المستوى الداخلي الغاضب أم على المستوى الخارجي عبر الجاليات الجنوبية وتأثيرها على صناع القرار الدولي، من خلال مفارقة واضحة هي الإرادة القانونية التي تصبح في مواجهة تحديات السياسة.
والرسالة التي يقدمها شعب الجنوب في الميادين اليوم للمجتمع الدولي، بحسب الأكاديمي والباحث اليمني المختص في الشؤون السياسية، هي أن الجنوب، بموقعه الإستراتيجي على مضيق باب المندب وبموانئه الحيوية، لا يمكن أن يكون مصدر تهديد إذا ما نال حقوقه، بل هو حجر الزاوية لأمن واستقرار الملاحة الدولية والتجارة العالمية.
تقزيم قضية الجنوب
الكاتب والمحلل السياسي اليمني شائع بن وبر يؤكد لـ"المشهد" أنّ المظاهرات العارمة في مختلف محافظات الجنوب والحراك المستمر الذي بدأ من حضرموت بساحلها وواديها، مرورًا بشبوة والمهرة وردفان وعدن وسقطرى وآبين وحتى الضالع، يثبت أن "شعب الجنوب لديه إصرار وعنيد، وغير قابل للمساومة على الثوابت الوطنية، مهما حاول البعض تقزيم قضيته العادلة".
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي اليمني، فإن أحدًا ليس بمقدوره أن يجبر هذا "الحراك على الانكسار والهزيمة طالما أن دوافعه وطنية خالصة نابعة من دماء شهداء دفعوا أثمانًا هائلة لنيل حقوقهم واستعادة تراب بلدهم كاملة غير منقوصة".
ويقول بن وبر إن هذا الحراك "لن يهدأ بكل تأكيد ما لم ير وقائع ثابتة على الأرض تضمن حقه في استعادة دولته بعيدًا عن الوعود الفضفاضة والتسويف وكذلك المماطلات السياسية. من ثم، ستبقى تلك المظاهرات في الشارع الجنوبي حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود في الحوار الجنوبي المزمع إجراؤه في الرياض، ولن يتوقف هذا الضغط الجنوبي حتى ينجح في إجراء استفتاء يضمن حق تقرير المصير لاستعادة دولة الجنوب كاملة السيادة".