شكل نهر الفرات على مدى آلاف السنين شريان الحياة لأبرز مراكز الحضارة في بلاد ما بين النهرين، إذ غذت مياهه مدينة أوروك، التي تمثل أول مدينة كبرى في التاريخ ومهد الكتابة، كما احتضن على ضفافه مدينة بابل، إحدى أعظم حواضر العالم القديم.
زمن أسبق
غير أن دراسة علمية حديثة أعادت الباحثين إلى زمن أسبق بكثير من ظهور تلك المدن العريقة، لكشف الكيفية التي تشكل بها نهر الفرات للمرة الأولى، حيث توصل الباحثون إلى أن نهر الفرات نشأ قبل ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة، نتيجة اندماج نظامين نهريين قديمين بفعل النشاط التكتوني الذي شهدته جبال طوروس في جنوب تركيا الحالية.
فك شفرة النهر
ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لفترة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضا. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.
واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت. وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حاليا في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا ويصبان في حوض البحر المتوسط.
النشاط التكتوني
ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، فيما انضم إليه لاحقا سلف نهر قره صو. وقالوا إن هذا شكل نظاما نهريا واحدا قويا وهو نهر الفرات.
وكانت إحدى الأدوات الرئيسة التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. وعليه تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.
الموجات فوق الصوتية
وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية "نيتشر جيوساينس" برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون "هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط وتحولت إلى صخور".
وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.
مسار النهرين
وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.
وقال لانج: "لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية واندمجا معا لتشكيل ما يعرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول".
وأضاف: "اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة".
ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: "كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غربا نحو كولومبيا وبيرو حاليا باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي".