شهدت بنية النظام الإيراني خلال الحرب الأخيرة تحولات تختلف كلياً عن كل ما مر على إيران خلال عمر الجمهورية التي أسسها روح الله الموسوي الخميني قبل 47 عاماً، لم تقتصر هذه التغيرات على الخسائر العسكرية وشكل المنظومة القيادية، بل امتدت إلى التوازنات السياسية الداخلية والخارجية التي حكمت سلوك طهران لعقود.
وانتقلت إيران من وضعية القوة المتمددة إقليمياً عبر "محور المقاومة" إلى دولة تواجه تفككاً طال مفاصل نظامها السياسي، وقدراتها العسكرية، وعلاقاتها الإقليمية خصوصاً والدولية عموماً. فالحرب التي انخرطت فيها لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى عملية "اجتثاث" استهدفت تدمير مراكز الثقل، بدءاً من هرم القيادة العليا وصولاً إلى القواعد الاقتصادية والعسكرية التي استندت إليها الدولة.
تمثل الضربة التي تعرض لها النظام من خلال نجاح العمليات الاستخباراتية والعسكرية في الوصول إلى أعلى مستويات الهرم القيادي، ومعها مقتل رأس الدولة، المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي كان يمثل المرجعية النهائية لكافة السلطات. إن غياب خامنئي ليس غياباً سياسياً فحسب، بل هو أيضاً انهيار للمرتكز الأيديولوجي الذي يربط مؤسسات النظام ببعضها البعض.
تحول جذري في إيران
يرى الصحافي المتخصص في العلاقات الدولية والأميركية، موفق حرب، أن ما تعرضت له إيران خلال الحرب الأخيرة لم يكن مجرد تراجع عسكري عابر، بل تحول جذري في موقعها الإقليمي. ويقول إن "اغتيال القيادات الميدانية والإستراتيجية أحدث فراغاً في سلسلة القيادة الإيرانية يصعب سدّه في المدى المنظور"، مضيفاً في حديثه لمنصة "المشهد" أن إيران "خسرت معظم منظومتها الصاروخية والدفاع الجوي والسلاح البحري، ما حولها من قوة إقليمية مُرهِبة إلى دولة مكشوفة أمام أي ضربة مقبلة".
التحولات داخل إيران والتي سببتها الحرب تشير أيضا لانتقال تدريجيّ من نظام تقوده المؤسسة الدينية إلى نموذج تهيمن عليه الأجهزة الأمنية. ويمثل تعيين محمد باقر ذو القدر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي صورة واضحة في هذا التحول، فهو ليس سياسيًا تقليديًا ولا من المؤسسة الدينية، بل نتاج منظومة الحرس الثوري والاستخبارات. وجوده يشير إلى انتقال مراكز القوة من رجال الدين إلى شبكات أمنية تدير الدولة من الداخل، وتتحكم بالسياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، بالتعاون مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
ولم تعد هذه الأجهزة تكتفي بوضع الحدود، بل أصبحت تدير الحكم مباشرة، ومعها صورة لقائد غائب وهو المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر منذ مقتل والده. حيث تؤكد المعطيات أن طهران تنتقل إلى نظام عسكري تقليدي، بل وحتى دولة أمنية متكاملة، تتمحور حول السيطرة والبقاء. بالتزامن مع وجود حكومة يرأسها مسعود بازشكيان، تظهر بموقع الأضعف في هذه المعركة.
تدمير القوة العسكرية والعلمية
لم تتوقف الضربات عند القيادات، بل طالت البنية العسكرية والعلمية بشكل منهجي. فقد أدّى استهداف العقول المدبرة للسياسات الأمنية والعسكرية إلى حالة من "العمى الإستراتيجي"، حيث تم تحديد آلاف الأهداف بدقة نتيجة اختراق استخباراتي عميق.
وتعرضت القوة العسكرية الإيرانية لتدمير واسع شمل مواقع إنتاج الصواريخ، ومخازن الوقود الصلب، ومنصات الإطلاق الجوالة، إضافة إلى استهداف منظومات الدفاع الجوي، ما جعل الأجواء الإيرانية مكشوفة بالكامل. كما طالت الضربات مراكز القيادة والسيطرة للقوة الجوفضائية، وقتلت كبار مهندسي الطائرات المسيّرة، ما أخرج جزءاً كبيراً من القدرات الصاروخية والجوية من معادلة التأثير الإقليمي.
وفي موازاة ذلك، استهدفت الضربات خلال شهر يونيو الماضي المنشآت النووية، مع تدمير أجزاء واسعة منها واغتيال عدد من كبار العلماء، إضافة إلى ضرب "القلب الاقتصادي" عبر استهداف مجمعات البتروكيماويات في خوزستان، ومصانع الصلب في أصفهان، ومنشآت الغاز في حقل فارس الجنوبي، ما أدى إلى شلل اقتصادي واسع.
"الدفاع الأمامي".. أزمة في الإقليم
انهارت إستراتيجية "الدفاع الأمامي" التي قامت على بناء شبكة من الوكلاء لمنع انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني. فقد تحول هؤلاء من "أصل إستراتيجي" إلى "عبء"، خصوصًا مع تخلي طهران عنهم عند لحظة التفاوض.
برز ذلك بوضوح في الحالة اللبنانية، حيث تُرك "حزب الله" في مواجهة العمليات العسكرية، فيما اتجهت إيران إلى التفاوض، ما عزّز شعوراً داخل قواعد هذه القوى بأنها استُخدمت كأدوات مؤقتة. كما انعكس هذا التراجع على العراق، حيث يواجه الحشد الشعبي ضغوطاً لفك الارتباط بطهران، وعلى اليمن، حيث تراجع الدعم للحوثيين بعد استهداف الأميركيين والإسرائيليين خطوط الإمداد وقتل مشرفين من فيلق القدس، خلال ضربات في العام الماضي.
في هذا السياق، يرى موفق حرب أن ما تعرضت له إيران يشكل تحولاً جذرياً في موقعها الإقليمي، إذ إن اغتيال القيادات الميدانية والإستراتيجية أحدث فراغاً في سلسلة القيادة يصعب سده في المدى المنظور. ويؤكد أن خسارة معظم منظومتها الصاروخية والدفاع الجوي والسلاح البحري حولها إلى دولة مكشوفة أمام أي ضربة مقبلة.
ويضيف أن التخلي عن "حزب الله" في منتصف المعركة كشف أن طهران تفاوض بدماء حلفائها، ما أدى إلى غضب عميق داخل الحاضنة الشعبية، وتحول "محور المقاومة" من إطار جامع إلى عبء سياسي وأخلاقي.
نهاية "المغامرة الإقليمية"
يضع الباحث والأستاذ الجامعي زياد عبد الصمد، هذه التطورات ضمن سياق بنيوي، معتبراً أن المشروع الإيراني قام على بناء الأذرع المسلحة الممتدة إقليمياً، واستخدامها لفرض السيطرة وكأدوات ضغط تفاوضية.
ويرى في حديثه لموقع "المشهد" أن هذه "المغامرة الكبرى" تتجه نحو التراجع، نتيجة عوامل متراكمة، أبرزها سقوط نظام بشار الأسد، واهتزاز الوضع الداخلي في العراق، والتطورات في لبنان التي أدت إلى عزل إيران وعزل ذراعها الأساسية. كما يشير إلى أن بعض الحلفاء بدأوا بالتخلي عن "حزب الله"، مع بروز دعم ضمنيّ لمسار الدولة اللبنانية في بسط السيادة.
ويؤكد أن إيران خسرت أوراقها التفاوضيّة، خصوصًا مع رفض إدراج لبنان في المفاوضات وظهور مبدأ "فصل المسارات"، إضافة إلى استهداف دول الخليج بنسبة كبيرة من الصواريخ، ما أفقدها المصداقية وعزّز عزلتها السياسية.
أما الكاتب والباحث حسين عبد الحسين فيركز في حديثه لموقع "المشهد" على البعد العملياتي، مشيراً إلى أن إيران لم تعد قادرة على تنفيذ سيناريوهات إستراتيجية مثل إغلاق مضيق هرمز، بسبب تراجع قدراتها البحرية وتدمير جزء كبير من أسطولها. كما أصبحت تعتمد على وسائل محدودة مثل المسيّرات، في ظل سيطرة بحرية أميركية واضحة.
اقتصادياً، يلفت عبد الحسين إلى أن إيران تتجه نحو عزلة متزايدة، مع استمرار العقوبات وإغلاق قنوات التمويل، ما أدى إلى خسارة مليارات الدولارات سنوياً. وعلى مستوى الأذرع، يبرز تراجع واضح في فعاليتها، إذ يظهر الحوثيون بقدرات محدودة، وتواجه الفصائل العراقية ضغوطاً، بينما يدخل "حزب الله" في مسار استنزاف مستمر.
احتجاجات وتآكل الشرعية
بالتوازي مع الضربات الخارجية، واجه النظام الإيراني "زلزالاً داخلياً" تمثل في موجة احتجاجات واسعة اندلعت أواخر 2025 حتى بداية العام الحالي. تميزت هذه الاحتجاجات بتنوع غير مسبوق في المشاركين، من جيل الشباب إلى التجار وسكان الأطراف، وتحولت مطالبها من اقتصادية إلى سياسية تطالب بإسقاط النظام.
واجه النظام هذه الاحتجاجات بعنف واسع، مع سقوط آلاف الضحايا، ما أدى إلى تعميق الشرخ بين الدولة والمجتمع. كما ترافقت هذه الأحداث مع انهيار اقتصادي حاد، شمل تراجع العملة وتوقف قطاعات حيوية، ما عزز فقدان الثقة بقدرة النظام على إدارة الأزمات.
أدت الحرب إلى تبدل جذري في البيئة الإقليمية، حيث فقدت إيران جزءاً كبيراً من نفوذها، وتعرضت لعزلة سياسية متزايدة، خصوصًا بعد استهداف دول الخليج، ما دمر فرص تحسين العلاقات معها. كما أدى تراجع شبكة الحلفاء إلى إضعاف قدرتها على المناورة الإقليمية، في ظل بيئة لم تعد تقبل بسلوكها السابق.
وتكشف هذه التطورات عن انتقال إيران من مشروع توسعي إلى حالة من الانكفاء والتفكك، حيث تتقاطع الضربات العسكرية مع فقدان الحلفاء وتصاعد الضغوط الداخلية.
وتتقاطع التحليلات عند التركيز على الانهيار العسكري، وتفكك المشروع الإقليمي، وتآكل القدرة العملياتية والأهم الاقتصادية، حيث تشير إلى أزمة تتجاوز الخسارة العسكرية، لتطال جوهر المشروع الإيراني نفسه. وتبدو إيران مقبلة على عزلة متزايدة، في ظل غياب أي مؤشرات على رفع العقوبات إلا بحال التزامها بنقاط الإدارة الأميركية خلال المفاوضات. فالنهج الذي اتبعته سابقاً، القائم على التفاوض النووي مقابل التمدد الإقليمي، تحوّل إلى عبء يعيق أي انفراج.
كما أن الإجراءات المالية الأخيرة للخزانة الأميركية، أدت إلى تضييق قنوات التمويل، خصوصاً مع إغلاق قنوات التحويل والصرافة. فالتقديرات تشير إلى أن طهران كانت تحصل على نحو 10 مليارات دولار سنوياً من هذه المعاملات، من أصل نحو 50 ملياراً إجمالي مواردها، ما يعني أن وقفها يشكل ضربة كبيرة للاقتصاد الإيراني.