في حين لا يزال مصير الأحداث في النيجر غامضا مع تأجيل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "إيكواس" السبت اجتماعها واستبعادها التدخل العسكري مقابل تعنت الانقلابين وعجز فرنسا، تبدو منطقة شمال إفريقيا على أبواب أزمات وخطيرة محتملة.
ومن شأن دخول النيجر في فوضى سياسية وأمنية أن يزيد من مخاوف دول شمال إفريقيا من تفاقم تدفق المهاجرين والمجموعات المسلحة والمرتزقة والإرهابيين، وضياع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
وعلى امتداد السنوات الأخيرة كانت دولة النيجر تشكل أبرز معبر لتدفقات الهجرة غير النظامية ولعصابات الإتجار بالبشر نحو شمال إفريقيا التي تقاسمها حدودا طويلة وجغرافية وعرة يصعب السيطرة عليها كليا.
ليبيا
يتوقع كثيرون أن تكون ليبيا من أكثر دول شمال إفريقيا تأثرا بما يحدث في النيجر وذلك لأسباب عدة أوّلها حالة عدم الاستقرار التي يعيشها البلد وثانيها طول حدودها مع النيجر خصوصا من ناحية الغرب الغني بالنفط ما قد يهدد بفتح الطريق أمام جماعات التهريب والتطرف.
ويبلغ طول الحدود الليبية النيجرية 342 كيلومتر وتمتد من النقطة الثلاثية مع الجزائر في الغرب إلى النقطة الثلاثية مع تشاد في الشرق.
ومنذ حوادث عام 2011 في ليبيا، صارت أغاديس النيجيرية البوّابة الأخيرة للمهاجرين إلى أوروبا والنقطة السوداء لتهريب الأسلحة والمخدرات من وإلى دول الساحل الإفريقي.
رسميا علّق الجيش الليبي على ما يحدث في نيجيريا مؤكدا أن قواته تراقب الحدود لمنع استغلال أراضيها، متوقعاً أن حدوث عمليات نزوح إنساني كبيرة ومحاولات لتسلل عناصر إرهابية إلى ليبيا معلنا حاجته لـ 4200 جندي لتأمين الحدود.
لكن المحلل السياسي الليبي كمال المرعاش يقول لمنصّة "المشهد" إن "انقلاب النيجر كان متوقعًا ولم يكن مفاجئة لأحد إلا في توقيته".
ويعتبر أنه يكشف الفشل الذي صاحب السياسة الفرنسية في إفريقيا منذ العهدة الأولى للرئيس نيكولا ساركوزي.
ويزيد أن السياسة المتغطرسة والمتعالية سيطرت على تعامل فرنسا مع مستعمراتها السابقة في إفريقيا، "فقد اعتمد بعده فرانسوا هولاند سياسة العصا والجزرة لإخضاع من يحاول مناهضة هيمنة فرنسا على مستعمراتها السابقة وخصوصًا في منطقة الساحل والصحراء".
وفي المقابل، يقدّر المحلل السياسي أن "تداعيات انقلاب النيجر على ليبيا لن يكون لها تأثير يذكر"، مبررا ذلك بأن "مثلث السلفادور اللغز الذي تتلاقى فيه حدود الجزائر وليبيا والنيجر، كان وما زال وسيبقى ممرًا هاما للهجرة والتهريب لكل شيء ممكن تهريبه من بضائع وسلاح ومخدرات وبشر".
ويزيد "اللغز يبقي كاملا إذا عرفنا أن فرنسا والجزائر تتواجدان بقوة بالقرب من هذا المثلث من دون أن يكون لهما أي تأثير على انسياب حركة التهريب''، لافتا إلى أن "الطائرات الفرنسية كانت قد قصفت المنطقة مرات عدة بين عامي 2014 و 2018 لكن ذلك لم يمنع لا الهجرة ولا انتقال حركات التمرد والتنظيمات الإرهابية".
ويستدرك مؤكدا لـ"المشهد" أن "الوضع الأمني الهشّ في جنوب غرب ليبيا ساهم بشكل مباشر في فشل عمليات السيطرة على هذا الممر الخطير، ويبدو أن هذا المثلث يعد جغرافيا منطقة وعرة حيث الجبال وانتشار الكهوف والمغارات التي اتخذ منها المهربون نقاط تزود بالتموين والسلاح والدعم اللوجستي للتهريب".
ويرى أن حكومة الدبيبة رغم إعلانها تأييد عودة بازوم للحكم فإنها عاجزة تماما عن تقديم أي دعم له لأنها "لا تسيطر على جنوب ليبيا، أين يراقب الجيش الوطني الليبي الوضع عن كتب في النيجر مفضلا عدم التدخل في شأنه الداخلي"، وهو ما يعتبره المرعاش "تأييدا ضمنيا لقادة التغيير في النيجر ورغبة في التخلص من محمد البازوم الذي يعدّ أحد ركائز عودة الاستعمار الأوروبي لإفريقيا".
تونس
من ناحية أخرى، لا تمتلك تونس التي تحوّل ملف الهجرة غير النظامية إلى أحد أثقل ملفاتها خلال الأعوام الأخيرة حدودا مع النيجر لكن ذلك لا يمنع أنها معنية بما يحدث في البلد الإفريقي المجاور لجارتيها.
وصارت تونس معبرا رئيسيا في طريق الهجرة غير النظامية نحو أوروبا ما عرّضها لضغوطات داخلية وخارجية كبيرة.
واستقبلت تونس بحسب آ خر البيانات الرسمية أكثر من 90 ألف مهاجر من دول إفريقيا جنوب الصحراء وترفض أن تتحوّل إلى منطقة إقامة لهم.
ويرى أستاذ العلوم الجيوسياسية بالجامعة التونسية رافع طبيب، أن تونس معنية مباشرة بما يحدث في النيجر، قائلا في تصريح لمنصّة "المشهد": "واهم من يعتقد أن تونس ليس لها حدود مع النيجر لأن ليبيا التي تفصلها عنها فضاء مفتوح".
ويشير إلى أن التداعيات الخطيرة لانقلاب النيجر على تونس ستظهر في صورة اتخاذ فرنسا لقرار التدخل العسكري في هذا البلد، وهو ما يعني برأيه "نهاية ما تبقّى من دولة النيجر".
ويشرح موضحا "إذا لم تتجاوز التطورات في النيجر الانقلاب في حد ذاته ولم تتدخل قوى خارجية هناك فسيظل الحدث داخليا لكن الخطر الكبير هو وجود تدخل عسكري فرنسي".
ويضيف "ينسى الجميع أن أغاديس النيجيرية هي العاصمة العالمية لشبكات الإتجار بالبجر وتهريب الأسلحة، وفيها تتلاقى هذه العصابات الدولية ولذلك فإن انهيار ما تبقى من دولة النيجر سيعطي اليد الطولي لمجاميع الإتجار بالبشر للتحرك".
ويضيف" سيكون هناك مئات الاف المهاجرين الذين يرغبون في التوجه نحو أوروبا عندها لن تقف اوروبا ساكتة امام عملية اغراقها بهم وستصبح المسالة بالنسبة لها مسالة أمن قومي ".
ويتابع" إذا تحوّلت هذه الجحافل من المهاجرين إلى تهديد لأوروبا فإنها ستتحرك لصدها ولن تلعب حينها ورقة المساعدات المالية على هامش مفاوضاتها مع تونس بل قد تذهب للضغط عليها ووضعها امام الامر الواقع والتدخل في مياهها الإقليمية إن تطلّب الأمر ذلك".
ويعتبر أستاذ الجامعة التونسية أن دول شمال إفريقيا باستثناء المغرب مطالبة بالتحرك من أجل توحيد المواقف بالدعوة إلى العودة للمسار الدستوري ورفض التدخل الأجنبي والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة.
الجزائر
لا تقف تداعيات ما يحدث في النيجر بالنسبة للجزائر عند الجانب الأمني على أهميته، فالنيجر التي يتسلل عبرها الالاف من المهاجرين إلى الجزائر هي ممر مهم لها نحو قلب إفريقيا التي ترغب في رفع حضورها الاقتصادي بها وهي شريك لها فيما يتعلق بخطط مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
ويذكر أن مجمع سوناطراك الجزائري يتقاسم مع النيجر إنتاج حقل "كفرا " النفطي المكتشف عام 2018 والمقدرة احتياطاته بنحو 400 مليون برميل.
وفي السياق يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة عنابة خالد خليف أن تداعيات الانقلاب في النيجر على دول شمال إفريقيا عديدة، '' لكن أبرزها هي التداعيات الامنية بسبب هشاشة التحكم في النطاق الجغرافي وصعوبة مراقبة الحدود ''.
ويشير إلى أن الامتداد الديمغرافي والارتباط القبلي لا يمكن التغافل عنهما، قائلا" نظرا لما لهما من آثار سياسية بين الداخل النيجيري وجنوبي ليبيا ما يجعل المنطقة ككل أمام واقع ومشهد معقد سياسيا وأمنيا".
ويعتبر في تصريح لمنّصة "المشهد" أن التداعيات على الجزائر تتجاوز الجانب الأمني إلى الاقتصادي وذلك نظرا لما" تمثله النيجر من عمق استراتيجي في سبيل إنجاز مشاريع نقل الطاقة نحو أوروبا بالشراكة مع نيجيريا".
ويلفت إلى أن الجزائر اتخذت موقفا يتناسق ويستقيم مع سياستها الخارجية سواء عبر بيان الخارجية او تصريح الرئيس عبد المجيد تبون الرافض لكل اشكال التدخل العسكري هذا من جهة.
ويضيف " أكيد الامر سيزداد تعقيدا بالنسبة لملف الهجرة غير النظامية وسيتجاوزه لتسجيل جرائم ترتبط بالإتجار بالبشر والجريمة المنظمة"، ما سيخلق وفق المتحدث" حالة عدم استقرار أمني ويفاقم انتشار عصابات الحدود بين دول الجوار ككل".
ويعتبر أن "الحل لا يجب أن يخرج عن عودة المسار الدستوري مع إمكانية ايجاد حلول وتوافقات بين كل أطراف الداخل النيجري بعيدا عن أيّ تدخلات خارجية مع الرفض القاطع خاصة للتدخل العسكري".