بعد قرابة عام على دعوة العاهل المغربيّ الملك محمد السادس لإصلاح مدوّنة الأسرة، إلا أنّ تأخيرا غير مبرّر يرافق تنزيل هذا القرار الملكي، في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بضرورة تسريع تعديل هذا النصّ الذي أضحى "متجاوزا".
وفي هذا الصدد، أُطلقت مؤخرا في المغرب، حملة واسعة تحمل شعار "بغاتها الوقت" (الوقت تريد هذا)، من طرف "مجموعة من أجل تشريعات تضمن المساواة"، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للمرأة، وتضم شخصيات نسائية مغربية من عالم الفن وعوالم أخرى.
ثورة ملكية
وتهدف الحملة إلى توعية المواطنين، وأصحاب القرار بضرورة إصلاح مدوّنة الأسرة، والمساهمة في مشروع الإصلاح الكبير الذي أعلن عنه الملك محمد السادس في هذا الجانب.
في يوليو الماضي، دعا العاهل المغربي محمد السادس إلى فتح نقاش حول تعديل مدونة الأسرة (قانون الأسرة المغربية) بعدما أصبحت مضامينها الحالية متجاوزة وغير كافية لتحقيق ما كان مرجوّا منها، وخصوصا في ما يخص تمكين النساء ومنحهنّ حقوقهنّ الكاملة.
دعوة الملك المغربي إلى إعادة النظر في هذا النص، تأتي في سياق يشهد تزايد المطالب المجتمعية في شأن تعزيز حقوق النساء، خصوصا في ما يتعلق بمسألة الإرث وحضانة وكفالة الأطفال، إضافة إلى تزويج القاصرات دون سن الأهلية المحدد في 18 سنة.
لكنّ دعوة أعلى سلطة في البلاد لإعادة النظر في المدونة، ما زالت لم تلقَ الاستجابة المنتظرة من طرف الجهات المعنية بهذا التعديل، حيث لم يتمّ تشكيل أيّ لجنة تشرف على التعديلات، فيما لم يتم الإعلان عن أيّ مبادرة لتجميع مقترحات الأحزاب السياسية والمنظّمات المدنية.
اعتبرت الحركات النسائية في المغرب، أنّ الخطاب الملكي بخصوص تعديل مدونة الأسرة بمثابة ثورة جديدة، وأنّ الخطاب استجابة لمطالبها التي نادت بها طيلة سنوات من تطبيق مقتضياتها، حيث رافعت الجمعيات الحقوقية من أجل إعادة النظر، وإجراء مراجعة شاملة لهذه المدونة، التي أظهر تطبيقها أوجه قصور متعددة، إضافة إلى تضمّنها ثغرات تم استغلالها بشكل أثّر على حقوق النساء بالدرجة الأولى.
سجال المحافظين والحداثيين
وفي انتظار ما سيؤول إليه مصير التعديل المرتقب لمدوّنة الأسرة، بدأ يطفو على السطح نقاش ساخن بين المحافظين الذين يرغبون في ألّا يمسّ التعديل ارتباط المدوّنة بأحكام الشريعة الإسلامية، فيما يدافع الحداثيون عن ضرورة مواكبة التعديلات المرتقبة لمتطلبات العصر، وملاءمتها للقوانين والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة ولا تطبق بالشكل المطلوب، في ظل النصّ الحالي للمدونة الذي أصبح متجاوزا بتعبير عدد من الناشطات الحقوقيات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة.
إذا كان الحقوقيون والناشطون في مجال الدفاع عن حقوق المرأة والحداثيون قد تلقوا قرار تعديل المدوّنة بترحيب واستحسان كبيرين، فإنّ المحافظين أبدوا توجّسهم من التغييرات المنتظرة في هذه الوثيقة، التي تُعتبر أكثر تطورا مقارنة ببلدان أخرى.
ويبرز الإسلاميون في طليعة الجهات الرافضة للمساس بمقتضيات المدوّنة، التي تثير نصوصها "حساسية" البعض في المغرب، ويسعون إلى الحفاظ على المكتسبات المحققة في النص الحالي، ذلك أنّ أيّ مساس به سيجعل المدوّنة أكثر انفتاحا ومواكبة لمتطلبات العصر.
وكان خطاب العاهل المغربي قد حدّد المعالم الرئيسة للتعديلات المرتقبة، تفاديا لأيّ تأويل أو استغلال سياسي من طرف رافضي الإصلاح، حيث تضمنت الخطوط العريضة التي أشارت إليها الدعوة الملكية، تكريس المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، وتفعيل المناصفة كهدف تسعى الدولة إلى تحقيقه.
وتضمّن خطاب الملك المغربي تأكيدا واضحا على أنّ أيّ عديل مرتقب، سيكون وفقا لما تقتضيه الشريعة الإسلامية، حيث قال: "لن أُحلّ ما حرّم الله ولن أحرّم ما أحلّ الله، خصوصا في المسائل التي تؤطّرها نصوص قرآنية قطعية".
ومن بين المطالب التي تثير حفيظة المحافظين في المغرب، الدعوات المرفوعة في شأن المساواة بين النساء والرجال في الإرث، الأمر الذي أغضب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة الأسبق الذي هاجم دعاة المساواة والمناصفة في الإرث، واعتبر الغرض من دعواتهم ليس إصلاح المدونة، وإنما "مخالفة الشريعة".
تأخير غير مبرر
يستغرب الناشطون في مجال الدفاع عن حقوق النساء، التأخير الذي يطبع تفعيل الدعوة الملكية، حيث لم يتمّ إلى الآن إجراء أيّ خطوة في شأن التعديلات، سواء من حيث تشكيل اللجنة المكلفة بذلك، أو من حيث إعلان الحكومة نيّتها فتح الموضوع للنقاش، واستقبال المقترحات من الأحزاب والمنظمات الفاعلة في المجال.
وقالت رئيسة فدرالية رابطة حقوق النساء سميرة موحيا، في تصرح لمنصة "المشهد"، إنّ الجسم الحقوقي المغربي لا زال ينتظر الإعلان عن تشكيل اللجنة المكلفة إعداد مقترح قانون أسري عصري، مبني على المساواة ومقاربة النوع، مشيرة إلى أنّ الأفق غير واضح بخصوص الجهة التي تتكلف بإجراء التعديل، وهل ستكون لجنة ملكية أم ستتولى الحكومة تشكيل لجنة خاصة بذلك، أو عن طريق وزارة العدل.
وأبرزت موحيا أنّ المدافعين عن حقوق النساء في المغرب لا يعرفون الجهة التي سيخاطبونها في شأن الإصلاح المرتقب لتقديم مقترحاتهم، مشيرة إلى أنّ المجتمع المدني والسياسي المغربي دخل في نقاشات وحوارات عميقة من أجل تقديم وتجويد المقترحات التي سترفع للجهات المسؤولة عن التعديل بعد الإعلان عنها بشكل رسمي.
وقالت رئيسة جمعية أيادي حرة ليلى أمليلي، إنّ الحركة النسائية في المغرب، تنتظر التنزيل الرسمي للتوجيهات الملكية الرامية إلى إجراء تعديل جذري للمدونة التي لم تعد مسايرة للدستور الجديد، ولا لاتفاقيات التي صادق عليها المغرب، وقانون العقوبات الجديد الذي سيتم التصويت عليه قريبا، مشيرة إلى أنها كانت تنتظر أن يتم الإعلان عن مسوّدة المدونة خلال الدورة التشريعية الأخيرة، لكنّ شيئا من ذلك لم يكن.
السيناريوهات الممكنة
في ظل غموض الموقف في شأن هذا التأخير، تُطرح سيناريوهات عدة في شأن ماهية الجهة التي ستتولى إعداد مسوّدة المدونة الجديدة، حيث تطرح إمكان تشكيل خاصة، يتم تعيينها من طرف عاهل البلاد باعتباره أمير المؤمنين، وكذا لتوافر المؤسسة الملكية على اختصاصات التشريع.
كما يمكن أن تتولّى الحكومة، إما عن طريق تشكيل لجنة من طرف رئيسها، أو من خلال تقديم وزارة العدل لنص المسوّدة للمدارسة والتصويت عليه قبل عرضه على النقاش البرلماني والعمومي.
فيما يطرح سيناريو ثالث، ويتعلق بأخذ البرلمان زمام المبادرة، وتقديم مسوّدة النص للمناقشة والمصادقة، في ظل عدم تفعيل مؤسستين دستوريتين على الرغم من مرور ما يزيد على عقد على التنصيص عليهما في دستور المملكة الصادر عام 2011، ويتعلق الأمر بكل من في المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، وهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز كمؤسستين لهما صلاحيات تقديم المقترحات التي تهمّ الأسرة والطفولة ومحاربة أشكال التمييز وضمان المناصفة والمساواة، وهي أبرز مطالب الحركات النسائية المغربية.
مدوّنة متجاوزة
تنتقد الحركات النسائية المغربية الصيغة الحالية لمدونة الأسرة التي أبانت عن أوجه قصور واختلالات متعددة، وترى أنها لم تعد تواكب المستجدات المجتمعية على كثير من الأصعدة، وترى هذه المنظمات أنّ الوقت قد حان للقطع مع المضامين المتجاوزة والكلاسيكية للنص القديم، وإصدار نص جديد أكثر تطورا وتقدما يضمن حقوق النساء والأطفال بالدرجة الأولى.
وفي هذا الصدد تقول عاطفة تيمجردين، الناشطة الحقوقية المغربية نائبة رئيسة الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، إنّ أبرز مظاهر النقص والقصور التي تشوب مدونة الأسرة الحالية، تتعلق بأساس زواج القاصرات وقضايا الإرث والطلاق وتبعاته، وقالت في هذا الصدد إنّ نصّ المدونة الحالي يُبقي على ظاهرة زواج القاصرات التي أصبحت مستفحلة بشكل كبير، إضافة إلى تعدد الزوجات.
وفي ما يتعلق بقضايا الزواج والطلاق وتبعاتهما، قالت تيمجردين في تصريح لمنصة "المشهد"، إنّ من مدونة الأسرة بشكلها الحالي فشلت في تمكين المرأة من نصيبها في الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، وتكريسها لبعض المفاهيم والمصطلحات التي تحمل في طابعها تمييزا واضحا، كالبناء والمتعة والرجعة.
واعتبرت منسقة تحالف الكرامة، وهو منظمة تضم جمعيات نسائية وحقوقية ترافع من أجل التأثير في مسار إصلاح التشريعات، أنّ المدونة الحالية تعتمد مقاربة تمييزية بين الرجل والمرأة في مباشرة إنهاء العلاقة الزوجية الموادّ المنظّمة للطلاق والتطليق؛ وربط استحقاق الزوجة للصداق وللنفقة بتحقق الدخول والبناء (المعاشرة الجنسية)، إضافة إلى مصادرة إرادة المرأة من خلال السماح للرجل بمراجعة الزوجة أثناء فترة العدّة، والإبقاء على الطلاق الخلعي.
كما ترى المنظمات الحقوقية المدافعة عن النساء، أنّ المدونة الحالية لم تعد تساير العصر والتغيرات التي حدثت فيها، وخصوصا في ما يتعلق بالمساواة والمناصفة، حيث انتقدت الناشطة في منتدى ربيع الكرامة والجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، التغييب الكلي للمدونة الحالية لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الولاية القانونية على الأبناء، وربط استحقاق الأم لحضانة أبنائها بحالتها الزوجية، إضافة إلى التمييز غير المبرر بين البنوّة الشرعية والبنوّة الطّبيعية.
وقالت تيمجردين إنّ النصوص المنظّمة لأحكام الإرث لم تقدر على استيعاب مشاكل الأسرة في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحالية، مشيرة إلى أنّ المقتضيات المتعلقة بمنظومة المواريث، تتعارض مع إقرار مدونة الأسرة بالمسؤولية المشتركة.
من جهتها أكدت موحيا أنّ منظمتها قامت منذ 2007 بتقديم مقترحات، ورفع مطالب في شأن إعادة النظر في بعض مقتضيات المدونة المتعلقة بالإرث، وخصوصا مسألة التعصيب التي تحرم النساء من الحصول على حقهنّ الكامل في ما ورثنه.
ما هي أبرز المقترحات؟
قدمت مختلف التنظيمات السياسية والمدنية وخصوصا الحركات المدافعة عن حقوق النساء في المغرب، مقترحات كثيرة في شأن التعديلات التي تؤيد تجويد المدونة، تتعلق أولا بالمنطلقات والمحدّدات التي يجب أن تنسجم مع الدستور والمواثيق الدولية، وأن تراعي التطور الاقتصادي والتحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب خلال قرابة عقدين من تفعيل مدونة الأسرة، والتي نتج عنها "طلاق لا رجعي" بين أغلب مواد المدونة وواقع حال النساء والفتيات.
وترغب الحركة النسائية في المغرب، في القضاء على الآثار السلبية للثغرات التي رافقت اعتماد المدونة، والتي ساهمت في تكريس الوضع الدوني للنساء والفتيات، وتعميق الفوارق بين الرجال والنساء وعدم المساواة في الحقوق.
كما تضمنت مقترحات النسيج الجمعوي المغربي، مقترحات أخرى من قبيل الحدّ من استمرار تثبيت البناء "الذكوري" للعلاقات بين الرجال والنساء، من خلال تمرير عدد من الخطابات المتضمّنة لتقسيم الأدوار بمباركة من نصوص المدوّنة، إِضافة إلى نصوص أكثر صرامة ووضوحا تخصّ الحدّ مع الأفكار التي تحدّ من ولوج النساء والفتيات إلى حقوقهنّ الأساسية من تعليم وشغل ومشاركة في تدبير الشأن العام.