سلّط كتاب جديد الضوء على تنامي اليمين المتطرف حول العالم، متتبعا الطريق الذي مهّد إلى صعود هذا التيار في إيطاليا خلال تسعينيات القرن الماضي، وفق مجلة "فورين بوليسي".
ويرسم كتاب "المهمة الإيطالية" للكاتب الأميركي جيسون هورويتز، صورة مختلفة لإيطاليا والتي رأى أنها "كانت بمثابة مختبر للاتجاهات السياسية التي انتشرت لاحقاً في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة".
يُخصص الكتاب حيزا كبيرا للحديث عن سيلفيو برلسكوني، قطب الإعلام الذي تولى رئاسة الوزراء لأول مرة في منتصف التسعينيات، وهيمن على الحياة السياسية في إيطاليا لمدة 20 عاماً بصفته زعيماً لحزب "فورزا إيطاليا" المنتمي ليمين الوسط.
ترامب على خطى برلسكوني
يسهب هورويتز في الحديث عن كيف كان برلسكوني نموذجا ملهما للرئيس الأميركي المستقبلي دونالد ترامب؛ وهو ليس أول من يعقد مقارنات بين الزعيمين -اللذين كانا رجلي أعمال ثريين وميالين لكسر الأعراف السائدة- لكن هورويتز، بصفته صحفيا أميركيا يتمتع بخبرة في تغطية المشهد السياسي في كل من روما وواشنطن، يمتلك رؤية ثاقبة ومميزة.
يكتب هورويتز: "لقد وضع برلسكوني القالب الذي سار عليه ترامب؛ فكان هو النسخة الإيطالية الأصلية التي سبقت النسخة الأميركية المقلدة".
ويضيف أن برلسكوني "أثبت أن التيار السياسي السائد، حين يضعف، يصبح عرضة للاختراق والسيطرة من قبل رجل أعمال ذي اسم لامع ومصاب بـ'عقدة المخلّص' -حيث يرى أن إيطاليا محطمة ولا أحد غيره قادر على إصلاحها- فضلاً عن امتلاكه وصولاً غير محدود لوسائل الإعلام وكاريزما قادرة على تحريك الجماهير".
واجه الزعيمان قائمة طويلة من المتاعب القانونية وتعاملا معها بأساليب متشابهة، إذ يبدو أن هجوم ترامب الكلامي المتكرر حول "حملات ملاحقة الساحرات" مستوحى مباشرة من أسلوب برلسكوني، حسبما يشير هورويتز.
صعود ميلوني
وليس من المستغرب أن ترامب كان مهتما منذ فترة طويلة بتجربة برلسكوني السياسية؛ فوفقاً للكتاب، سأل ترامب أحد مساعديه -الذي كان قد أوفده إلى إيطاليا عام 2011- قائلاً: "من هذا الرجل؟ ماذا يفعل؟ وكيف تسير أموره؟".
ويرى هورويتز أن برلسكوني، إلى جانب كونه ملهما لترامب، قد ترك بصمة أخرى دائمة في إيطاليا وخارجها؛ فعن طريق كسر الحاجز العازل الذي كان يحيط بأقصى اليمين الإيطالي وإشراكه مراراً في حكومات ائتلافية، ساهم برلسكوني في تمهيد الطريق لصعود هذا التيار، وهو ما توّج بانتخاب جورجيا ميلوني رئيسة للوزراء قبل 4 سنوات، كما ساهم في تعزيز اتجاه أوسع نطاقاً في أنحاء كثيرة من أوروبا.
وفقاً لهورويتز، كان برلسكوني يعتقد أن فتح أبواب الحكومة أمام "الحركة الاجتماعية الإيطالية" (وهي حركة ذات جذور فاشية وسلفت حزب "إخوة إيطاليا" الذي تتزعمه ميلوني) من شأنه أن يسرّع تحولها إلى قوة محافظة تتبنى نهجاً سائداً ومقبولاً.
ورغم أن ميلوني تبنت أجندة محافظة للغاية، شملت تقييد الحق في الإجهاض، وحظر تأجير الأرحام، وتعزيز صلاحيات الشرطة، إلا أن معظم الإيطاليين الذين تحدثت إليهم يتفقون على أنها لا تشكل تهديداً للحريات الديمقراطية. لكن ما لم يتوقعه برلسكوني، كما يكتب هورويتز، هو أن شركاءه في الائتلاف سينتهي بهم المطاف بتصدر المشهد وتهميش حزبه "فورزا إيطاليا".



