تتجاوز تداعيات انتخابات التجديد النصفي الأميركية حدود المشهد السياسي الداخلي، لتطرح تساؤلات بشأن انعكاساتها على مسار أزمات المنطقة، من إيران إلى غزة ولبنان، وحدود قدرة الكونغرس على التأثير في قرارات الإدارة الأميركية، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
فوز الديمقراطيين
وبينما تشير المصادر ذاتها إلى أن فوز الديمقراطيين لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير فوري في سياسات واشنطن، فإنه قد يوسع هامش مساءلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كما يرفع الكلفة السياسية والعسكرية لاستمرار التصعيد، خصوصًا في ظل التحولات داخل الحزب الديمقراطي بشأن الدعم غير المشروط لإسرائيل، والانقسامات الجمهورية حول كلفة الحروب الخارجية.
ومن المتوقع أن تُجرى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، الثلاثاء، بينما تشمل جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، إلى جانب 35 مقعدًا في مجلس الشيوخ.
وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة في ظل تداعياتها المحتملة على توازن القوى داخل الكونغرس، بجانب قدرة الرئيس ترامب على تمرير سياساته، سواء على الصعيد الداخلي أو في ملفات السياسة الخارجية، خصوصًا أزمات الإقليم. ومن المقرر أن يبدأ الكونغرس الجديد مهامه في 3 يناير العام المقبل.
نتائج الانتخابات
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال المحلل السياسي الأميركي وعضو الحزب الديمقراطي مهدي عفيفي إن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أيا كانت، لن تنعكس بصورة فورية على توجهات واشنطن إزاء ملفات المنطقة، حتى في حال فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الشيوخ والنواب، موضحًا أن الأعضاء الجدد لن يتسلموا مهامهم قبل مطلع العام المقبل.
وأضاف عفيفي أن الفترة الفاصلة بين إجراء الانتخابات في 3 نوفمبر وتسلم الكونغرس الجديد مهامه، ستمنح الرئيس الأميركي شهرين إضافيين لاتخاذ قرارات مؤثرة في ملفات المنطقة، إذ ستظل السلطة التنفيذية بيد إدارته خلال هذه الفترة، بصرف النظر عن نتائج الاقتراع، مرجحًا أن تشهد بعض الولايات نزاعات قضائية بشأن النتائج، مع احتمال لجوء إدارة ترامب إلى التشكيك فيها أو الطعن عليها.
وأشار إلى أن استمرار بنيامين نتانياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية يعني أن المشهد السياسي في إسرائيل لم يشهد تغيرًا جوهريًا، وهو ما يقلل، وفق تقدير المحلل السياسي الأميركي وعضو الحزب الديمقراطي، فرص حدوث تحولات كبيرة في مسار أزمات المنطقة قبل مطلع العام المقبل، في ظل بقاء القرار الأميركي بيد ترامب وإدارته. وأضاف أن احتفاظ الجمهوريين بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ، إن حدث، سيعزز موقف الرئيس الأميركي وقدرته على تمرير توجهاته.
احتمالات تجدد الحرب
وفي ما يتعلق باحتمالات تجدد الحرب على إيران، قال عفيفي إن تيارات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، إلى جانب جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، تدفع باتجاه التصعيد.
وأردف: "ترامب يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية من الأزمة، والخروج من المواجهة مع إيران بما يسمح له بتقديمها إلى قاعدته الانتخابية، خصوصًا أنصار حركة "ماغا"، باعتبارها إنجازًا وانتصارًا، بدلًا من تحمل كلفة الحرب وما ترتب عليها من أعباء مالية واضطرابات اقتصادية".
ولفت إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في انضمام السعودية ودول أخرى إلى "الاتفاقات الإبراهيمية"، وهو ما كان ترامب يأمل في تحقيقه بوصفه إنجازًا سياسيًا.
تغيير جذري
من جهته، استبعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا إرك لوب، أن تُحدث نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية تغييرًا جذرريًا في سياسة واشنطن الخارجية تجاه إيران ولبنان وغزة، معتبرًا أن فوز الديمقراطيين بأغلبية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، أو كليهما، لن ينتقص بصورة جوهرية من الصلاحيات التنفيذية لترامب، أو يمنعه من مواصلة الحرب على إيران.
وقال لوب، في تصريحات لمنصة "المشهد"، إن أقصى ما يمكن أن يلجأ إليه الديمقراطيون هو فتح تحقيقات بشأن قانونية الحرب وطريقة إدارتها، إلى جانب الشروع في إجراءات مساءلة قد تصل إلى محاولات عزل ترامب وبعض أعضاء إدارته، ومن بينهم وزير الحرب بيت هيغسيث.
وفي ما يتعلق بغزة ولبنان، أوضح لوب أن تطورات الأوضاع في المنطقتين تعتمد على القرارات الإسرائيلية بدرجة أكبر من ارتباطها بالموقف الأميركي، رغم اتفاقات وقف إطلاق النار التي رعتها واشنطن. وأضاف أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تفتح المجال أمام مراجعة مستقبل المساعدات الخارجية والعسكرية الأميركية لإسرائيل، لكنها لن تتيح لهم فرض قيود مؤثرة على تحركاتها العسكرية في غزة ولبنان.
مسار مختلف
وأشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة فلوريدا إلى أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قد تؤثر بدورها في مسار الأوضاع في المنطقتين، لافتًا إلى أن تشكيل ائتلاف حكومي يضم معسكر الوسط اليميني بقيادة غادي آيزنكوت والأحزاب العربية قد يفتح المجال أمام مسار مختلف. أما في حال عدم تحقق هذا السيناريو، فمن غير المرجح أن تتبنى أي حكومة إسرائيلية، سواء برئاسة آيزنكوت أو بنيامين نتانياهو، نهجا يتسم بضبط النفس العسكري في غزة ولبنان.
كما لم يستبعد لوب أن تنضم إسرائيل إلى الولايات المتحدة في شن هجمات جديدة على إيران، وقال إن نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، رغم تأثيرها في الحسابات السياسية، لن تضمن بالضرورة حدوث تحول في النهج العسكري الإسرائيلي تجاه ساحات المواجهة في المنطقة.
السياسة الخارجية الأميركية
إذًا، لا ينبغي النظر إلى انتخابات التجديد النصفي الأميركية باعتبارها استحقاقًا داخليًا فحسب، إذ إن نتائجها ستنعكس أيضًا على قدرة الإدارة الأميركية على إدارة ملفات السياسة الخارجية، خصوصا في المنطقة، حسبما يوضح الباحث والكاتب السياسي المختص في الشأن الأميركي والمقيم في واشنطن زياد سنكري.
ويقول سنكري لـ"المشهد": "من المهم التمييز بين التأثير السياسي للانتخابات وبين قدرتها على إحداث تغيير فوري في القرارات الأميركية؛ ففي ملف إيران، فإن فوز الديمقراطيين بأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما لن يعني بالضرورة وقف الحرب أو تغيير المسار العسكري بصورة مباشرة، لكنه سيمنحهم أدوات أوسع لمساءلة إدارة بشأن مبررات الحرب وتكاليفها، والضغط من أجل إخضاع أي عمليات عسكرية جديدة لرقابة الكونغرس، فضلًا عن التأثير في التمويل الدفاعي. من ثم، قد تتحول نتائج الانتخابات إلى عامل يرفع الكلفة السياسية لاستمرار الحرب، من دون أن يسلب ترامب صلاحياته التنفيذية بصورة تلقائية".
التحالف مع إسرائيل
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فيشير الباحث والكاتب السياسي إلى وجود "تحول تدريجي داخل الحزب الديمقراطي، لم يعد مقتصرًا على التيار التقدمي، بل بات يمتد إلى قطاعات أوسع من المشرعين، مع تزايد الاعتراض على المساعدات العسكرية غير المشروطة، وعلى العمليات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان. وقد ظهرت مؤشرات هذا التحول في تصويت عدد كبير من الديمقراطيين على مقترحات لتقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل، وفي تحركات داخل الكونغرس لمراجعة صفقات السلاح".
وتابع: "هذا التحول لا يعني أن واشنطن ستتخلى عن تحالفها مع إسرائيل، أو أن السياسة الأميركية ستشهد انقلابًا فوريًا بعد الانتخابات. لكن من المرجح أن تتسع مساحة الخلاف داخل المؤسسات الأميركية بشأن طبيعة الدعم المقدم لإسرائيل وشروطه، وأن تصبح ملفات حماية المدنيين، والمساعدات الإنسانية، والالتزام بالقانون الدولي، أكثر حضورًا في النقاشات والرقابة التشريعية".
كلفة الحروب
وأوضح أنه "في لبنان وغزة، ستظل قدرة الكونغرس على التأثير مرتبطة بمدى استعداده لاستخدام أدواته الرقابية والمالية للضغط على الإدارة وحلفائها، خصوصًا أن الإدارة الأميركية هي التي تقود التحركات الدبلوماسية وتحدد أولوياتها، لكن الكونغرس يستطيع التأثير في مسارات التمويل والتسليح، وفرض نقاشات علنية حول نتائج السياسات المتبعة، ومدى توافقها مع المصالح الأميركية".
وختم سنكري قائلا: "ثمة جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن الانتخابات قد تعمّق الانقسام داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن كلفة الانخراط الأميركي في الحروب الخارجية، بفعل انعكاس حرب إيران على أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي".



