فيما يبدو أن المفاوضات الجارية بشأن غزة تصطدم بعقبتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمعضلة حصر السلاح وتباين الرؤى بين حركة "حماس" وإسرائيل، وكذلك شكل إدارة غزة والحكم في مرحلة ما بعد الحرب، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، والثانية رفض إسرائيل تقديم ضمانات واضحة بشأن وقف القتال والانسحاب من القطاع.
محادثات القاهرة
وفي حين ترى المصادر ذاتها، أن المباحثات التي انعقدت في القاهرة بحضور الفصائل الفلسطينية، ما تزال تتحرك ببطء نحو تفاهمات محتملة بفضل الجهود الإقليمية، فقد ألمحت إلى أن الانقسامات داخل "حماس" وتمسكها بالسلاح يعقدان فرص التوصل إلى تسوية شاملة.
من ثم، يظل نجاح أي اتفاق مرهونا بحسم ملفي الأمن والحكم في القطاع، وتجاوز الحسابات الفصائلية والإسرائيلية التي ما تزال تعرقل الوصول إلى ترتيبات مستقرة تنهي الحرب، وتصل إلى تسوية نهائية تحدد مستقبل غزة السياسي والإداري.
واجتمعت الفصائل الفلسطينية في القاهرة مع وسطاء قطريين وأتراك، مؤخرًا، بينما أكد مسؤول فلسطيني أمس الثلاثاء أنه تم "التوافق المشروط" على مبدأ "حصر السلاح" على أن يكون بيد هيئة فلسطينية "متفق عليها" بحسب ما كشفت "فرانس برس".
موافقة مشروطة
غير أن المسؤول الفلسطيني رجّح رفض إسرائيل وكذلك ممثل مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، الموافقة المشروطة للفصائل المجتمعة بالقاهرة، حيث إن تل أبيب تصرّ على أن يكون تسليم السلاح كافة لقوات الاستقرار الدولية المفترض تشكيلها بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وقد صرّح أمس المستشار الإعلامي لرئيس "حماس" طاهر النونو، بأن وفد الحركة والفصائل المشاركة "أعدّوا صيغة مشتركة لردّ وطني موحّد ومسؤول حول بنود خارطة الطريق التي قُدّمت للحركة وللفصائل من الوسطاء لاستكمال تطبيق خطة" الرئيس ترامب بشأن غزة.
إذًا، فالصيغة المقترحة من قبل الفصائل الفلسطينية تنصّ على حصر السلاح بيد سلطة فلسطينية واحدة يتم التوافق عليها وطنيًا، بالتزامن مع تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي ينتهي بانسحاب كامل من غزة. كما تتضمن المقترحات المطروحة توفير ضمانات دولية تكفل تنفيذ الاتفاق، والحفاظ على الاستقرار، ومنع تجدد العمليات العسكرية.
قال الأكاديمي الفلسطيني وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس والقيادي في حركة فتح الدكتور أيمن الرقب، إن الحراك السياسي الجاري بشأن قطاع غزة شهد مشاركة مختلف الفصائل الفلسطينية، إلى جانب حركة فتح التي يقودها الرئيس محمود عباس، مشيرًا إلى أن تيار الإصلاح الديمقراطي داخل الحركة كان حاضرًا أيضًا في هذه النقاشات.
وأوضح الرقب لمنصة "المشهد"، أن الجهود السياسية انطلقت أساسًا من القاهرة قبل أن تنضم إليها أطراف أخرى في الدوحة وأنقرة، مؤكدًا أن الهدف الرئيس يتمثل في "إنقاذ ما يمكن إنقاذه في قطاع غزة"، في ظل ما وصفه بـ"التطورات الخطيرة ميدانيّا"، خصوصًا بعد سيطرة إسرائيل على نحو 70% من مساحة القطاع، وتصاعد المخاوف من مشاريع تهجير الفلسطينيين.
وأضاف أن التحرك المصري جاء بصورة "سريعة وجادّة" في توقيت بالغ الأهمية، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل خلال الأشهر المقبلة، وما قد يرافقها من تصعيد عسكري واسع ضد الفلسطينيين في غزة.
تطورات إيجابية
وأشار إلى أن نتائج المباحثات ما تزال "إيجابية إلى حدّ ما"، رغم تعقيد الملفات المطروحة، لافتًا إلى أن المناقشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بوقف الحرب وترتيبات ما بعد التهدئة.
وبيّن الرقب أن حركة "حماس" طالبت بضمانات وتعهدات دولية، خصوصًا من الولايات المتحدة والجهات الراعية للمفاوضات، لوقف عمليات القتل المستمرة في القطاع، وقال إن عدد الضحايا يقترب من 1000 قتيل منذ بدء المرحلة الحالية من التصعيد.
كما طالب وفد الحركة، وفق الرقب، بتفكيك التشكيلات المسلحة المرتبطة بإسرائيل داخل قطاع غزة، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من نحو 85% من أراضي القطاع، تنفيذًا للتفاهمات التي جرى التوصل إليها سابقًا.
وفيما يتعلق بملف السلاح، أكد الرقب أن القضية "شأن فلسطيني داخلي"، مضيفًا أن الحديث عن ترسانة عسكرية كبيرة داخل غزة لا يعكس الواقع، إذ يقتصر الأمر في معظمه على أسلحة خفيفة يمكن التوصل إلى تفاهمات بشأنها في إطار أي تسوية سياسية مقبلة.
وختم بالقول إن مسار المفاوضات "يسير ببطء"، لكنه لا يزال يتحرك في اتجاه إيجابي، مؤكدًا أن العقبة الرئيسة أمام نجاح الجهود الحالية تتمثل في الموقف الإسرائيلي، حيث إن رفض إسرائيل لأيّ من البنود المطروحة قد يؤدي إلى إفشال التفاهمات برمتها.
أبرز العوائق
ومن جهته، عدّ المحلل السياسي الفلسطيني زيد الأيوبي أحد أبرز العوائق أمام التوصل إلى اتفاق بشأن سلاح حركة "حماس" في طبيعة بنية اتخاذ القرار داخل الحركة، معتبرًا أن القرار الفعلي لا يزال بيد الجناح العسكري داخل قطاع غزة أكثر من كونه بيد القيادة السياسية الموجودة في الخارج.
وأوضح الأيوبي في حديثه لـ"المشهد"، أن هناك سوابق عديدة تؤكد هذه الأزمة المتكررة في الحروب التي خاضتها "حماس" وإسرائيل في أعوام سابقة، حيث تبرز هيمنة الجناح العسكري على بنية القرار داخل "حماس"، في ظل التبعية لإيران من جانب، والارتهان لـ"الإخوان"، من جانب آخر، بما يعيق التوصل إلى تسوية نهائية وتفاهمات سياسية في ظل الانقسام البنيوي بين قيادة كتائب "القسام" والمكتب السياسي، ومن ثم تداعياته المباشرة على مسارات التفاوض المتعلقة بالتهدئة.
وأضاف أن الحركة تعاني أيضًا تباينات داخلية بين أجنحة مختلفة في مكتبها السياسي، مشيرًا إلى وجود اختلافات في الرؤى بين تيارات قيادية متعددة، الأمر الذي يجعل التوصل إلى موقف موحد بشأن مستقبل الحركة وسلاحها بعد الحرب أمرًا بالغ التعقيد.
ورأى الأيوبي أن "حماس" تضع مصالحها التنظيمية في مقدمة أولوياتها، أكثر من اهتمامها بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، وقد أشار إلى أن تمسكها بالسلاح لا يرتبط فقط بمواجهة إسرائيل، بل أيضًا باعتبارات داخلية تتعلق بموازين القوى داخل قطاع غزة.
وألمح المحلل السياسي الفلسطيني إلى أن قطاعًا واسعًا من الفلسطينيين تضرر من فترة حكم الحركة، وكذلك من تداعيات الحرب التي اندلعت عقب 7 أكتوبر 2023، مؤكدًا أن حالة الاستياء الشعبي المتزايدة تعزز المطالب بحصر السلاح بيد السلطة الفلسطينية.
وأكد أن الموقف الذي تتبناه "حماس" والفصائل المتحالفة معها يتعارض مع ما وصفه بـ"الإجماع الوطني الفلسطيني" الذي يلحّ على ضرورة وجود "سلطة واحدة" و"سلاح شرعي" واحد يخضع لمؤسسات الدولة الفلسطينية، بما يشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وعليه، انتقد الأيوبي المقترحات المتداولة بشأن إدارة قطاع غزة بعد الحرب، معتبرًا أن بعض الطروحات الدولية، ومن بينها تشكيل لجان إدارية مستقلة أو نشر قوات دولية، قد تؤدي إلى تكريس الانقسام الفلسطيني بصورة جديدة بدلًا من إنهائه.
إنهاء "حماس"
وأضاف أن المطلوب ليس تسليم سلاح "حماس" إلى إسرائيل، وإنما إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة الشرعية المعترف بها فلسطينيًا ودوليًا، إلا أن الحركة على حد تعبيره "تفضّل خيارات أخرى منها وجود قوات أممية ودولية على عودة السلطة الوطنية الفلسطينية وأجهزتها إلى القطاع".
وفي المقابل، رأى الأيوبي أن إسرائيل بدورها لا تبدو معنية بإنهاء وجود "حماس" بصورة كاملة، بخلاف خطابها المعلن؛ حيث إن الحركة تؤدي دورًا وظيفيًا تخادميًا لصالح إسرائيل.
وتابع: "استمرار الحركة يمنح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ذريعة لمواصلة العمليات العسكرية والتهرب من الاستحقاقات السياسية المرتبطة بتسوية القضية الفلسطينية".
كما أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تستعدّ لخوض انتخابات برلمانية جديدة، وهو ما يدفع رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو وحلفاءه إلى إطالة أمد الحرب واستثمارها في الدعاية الانتخابية لجهة تعزيز فرص بقائهم في السلطة، وفق ما يشير المحلل السياسي الفلسطيني.
وختم الأيوبي حديثه قائلًا إن الوصول إلى حل مستدام لمستقبل قطاع غزة يتطلب إنهاء حالة الانقسام، وتمكين السلطة الفلسطينية من إدارة القطاع، والانخراط في مسار سياسيّ يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس قرارات الشرعية الدولية.