وسط خلافات داخلية عراقية حول آلية حصر السلاح بيد الدولة، وصل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يوم الاثنين، إلى مدينة نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأجرى مجموعة لقاءات شملت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وقدّم جدولًا زمنيًا جديدًا لحصر السلاح بيد الدولة يمتد حتى يونيو 2027.
وتُعتبر هذه الزيارة هي الثانية للرئيس الزيدي إلى الولايات المتحدة، بعد جولته في واشنطن وهيوستن في يوليو 2026، لكن هذه المرة لقاء الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يكن على انفراد كالسابق، ما وصفه مراقبون بأنه اختبار أميركي حول مدى قدرة الزيدي على حل ملف السلاح من دون الحصول على دعم سياسي جديد من واشنطن.
وقبل زيارة الزيدي إلى نيويورك، تم منع جميع المسؤولين الحكوميين من التصريح لوسائل الإعلام، خصوصاً بعد تضارب تصريحاتهم. فبينما انتشرت تصريحات منسوبة للزيدي تؤكد أن 30 سبتمبر 2026 هو الموعد النهائي لحصر السلاح بيد الدولة، أعلنت شخصيات سياسية شيعية مقرّبة من الإطار التنسيقي أنه لا يوجد جدول زمني محدد لتسليم السلاح.
خطة الـ90 يوما
وكشفت مصادر خاصة مقرّبة من الزيدي لمنصة "المشهد" أن رئيس الوزراء اجتمع باللجنة العليا للتفاوض مع الفصائل المسلحة، التي تضم (نوري المالكي، محمد شياع السوداني، هادي العامري) وأخبرهم أنه لن يذهب إلى نيويورك بأنصاف الحلول، وأنه يجب عليهم تقديم جدول زمني واضح مع ضمانات للجانب الأميركي حول تسليم السلاح.
وأوضحت المصادر، أن رئيس منظمة بدر هادي العامري، تعهد للزيدي بقدرته على ضبط نشاط الفصائل المسلحة حتى يونيو 2027 وعدم السماح لها باستهداف المصالح الأميركية في العراق أو دول الجوار، مقابل ضمانات سياسية تتعلق بخروج القوات الأميركية من العراق ودمج المقاتلين في الجيش العراقي بشكل تدريجي.
وبحسب المصادر ذاتها، طرح الزيدي على روبيو، مرحلة تمهيدية مدتها 90 يوماً تجمّد خلالها الفصائل العراقية أي نشاط لها مقابل عدم تعرضها لضربات أميركية، ثم تسلّم أسلحتها تدريجياً في موعد نهائي يونيو القادم أي بعد 9 أشهر من الآن.
وشرح الزيدي لروبيو، أن الشباب العراقي الذي يحمل السلاح في وسط وجنوب العراق، هؤلاء سيسهل دمجهم في الجيش العراقي بعد تسليم أسلحتهم الخفيفة، بينما سيكون قادة الفصائل وافقوا على تسليم السلاح الثقيل بدعم من واشنطن ومجلس الأمن الدولي. بحسب المصادر.
ورغم أن روبيو لم يعلن موافقته على مقترح الزيدي، لكنه أيضاً لم يعلن رفضه لها مبدئياً، مؤكداً أن واشنطن ستراقب عملية التنفيذ والتزام الفصائل العراقية المسلحة بوقف الهجمات خلال المدة المحددة. في حين لم تعلّق قوى الإطار التنسيقي على الخطة التي أعلنها الزيدي من نيويورك، ما يعكس وجود خلافات داخل القوى الشيعية حول مسألة تسليم السلاح.
العراق يبحث عن حلول سريعة
ويرى رئيس مركز بغداد للدراسات الدكتور مُناف الموسوي، أن الزيدي نجح بشكل جزئي في مهمته بحصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً بعد إعلان "عصائب أهل الحق" و "كتائب الإمام علي" و "سرايا السلام" استعداداها لتسليم السلاح والاندماج في مؤسسات الدولة، ولم يذهب إلى نيويورك إلا بعد أن حصل على عهود من اللجنة العليا للمفاوضات حول إمكانية تسليم باقي الفصائل لسلاحها عن طريق استمرار التفاوض معها.
وأوضح الموسوي، أن الإدارة الأميركية تدرك نجاح الزيدي في مهمته، لذلك وافقت على مهلة 90 يوماً لاختبار الفصائل بالتزامها بعدم استهدافها دول الجوار، حتى 9 أشهر حزيران القادم لتسليم سلاحها بشكل نهائي، رغم أن فصائل جديدة غير معلومة تشكلت ولا تحمل أسماء محددة مما قد يعرقل مهمة لجنة التفاوض والزيدي معاً، لكن يظهر جليّاً أن جميع الأطراف ترغب بالوصول إلى حلول سريعة، خصوصًا بعد تراجع الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
ويقول المحلل السياسي علي حبيب لمنصة "المشهد" إن جزءًا من الضمانات التي قدمها الزيدي خلال زيارته لنيويورك، هي تسهيل الاستثمارات الاقتصادية للشركات الأميركية في العراق وتحويل العلاقة بين البلدين من عسكرية إلى اقتصادية سياسية، مقابل موافقة الجانب الأميركي على مهلة الـ90 يوماً.
وأثناء عرض خطته الجديدة، طالب الزيدي، بتأجيل أو إلغاء العقوبات الأميركية على العراق، وعدم التأخير في إرسال شحنات الدولار، وربط مسألة حصر السلاح بالوضع الإقليمي في المنطقة خصوصاً الحرب الأميركية الإيرانية.
ويرى حبيب، أنه بعد موافقة واشنطن المبدئية على خطة الزيدي، قد تؤجل العقوبات الأميركية التي تم التلميح لها عبر رسائل سرية وصلت إلى بغداد مؤخراً، أو سيتم فرضها على أشخاص بعينهم بدلاً من فرضها على المؤسسات الحكومية العراقية.
وفي سياق متصل، يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور عبد الرحمن الشيخلي، إن الزيدي سيخصص جزءاً كبيراً من زيارته لبحث الجوانب الاقتصادية، خصوصاً الأزمة المالية في العراق، ويأمل بلقاء ترامب لبحث الوعود السابقة حول الشراكات الاقتصادية.
وجاءت زيارة الزيدي لنيويورك قبيل فصل الشتاء، حيث سيزداد الطلب على للنفط للحصول على وسائل التدفئة، بالتزامن مع صعوبة مرور ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز. يشرح الشيخلي: الزيدي سيبحث ملف النفط العراقي مع واشنطن. وسيتعهد بتوفير بيئة آمنة للاستثمارات الأميركية بعد التوافق مع الفصائل العراقية المسلحة على عدم استهدافها.
هل علّقت بغداد الطيران الإيراني؟
وخلال زيارة الزيدي لنيويورك، أعلن وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت، فرض عقوبات جديدة على قطاع الطيران الإيراني، معلناً أن جميع شركات الطيران الإيرانية ستُمنع من العمل دولياً، مع التهديد بمعاقبة أي جهة تقدم لها الخدمات من ضمنها العراق.
وبعد إعلان حظر الطيران الإيراني، تداولت مواقع إعلامية عراقية، أن الحكومة العراقية أعلنت التزامها بالعقوبات الدولية وباشرت بتعليق رحلات الطيران الإيراني إلى بغداد وحصره فقط في مطار النجف الدولي.
وكشف مصدر خاص من مطار بغداد لمنصة "المشهد" أن العقوبات الأميركية لا تشمل الطيران بل تحظر تقديم الخدمات اللوجستية كالبنزين أو إصلاح الأعطال، حيث لا يمكن لبغداد تقديم هذه الخدمات للطائرات الإيرانية، إلا أنها مازالت تهبط كالمعتاد في مطارات العراق.
وأكد المصدر أن طائرة إيرانية وصلت صباح اليوم من مدينة مشهد إلى بغداد لتتجه بعدها إلى إسطنبول، رغم أنه منذ بداية الحرب الأميركية الإيرانية، انخفض عدد الطائرات الإيرانية التي تهبط في مطار بغداد نتيجة للوجود الأميركي، ومعظمها حصر عمله في مطار النجف الدولي.
مضيفاً: "رفعت بغداد مذكرة دولية مطالبة بإلغاء هذا الحظر على الطيران الإيراني، لوجود مقامات دينية مقدسة بين البلدين لا يمكن إلغاء الرحلات إليها".
وحول تأثير حظر الطيران الإيراني على العراق، يقول الخبير في الشوؤن الإيرانية الدكتور وجدان عبد الرحمن، لمنصة "المشهد" إنه "لا شك أن قطاع الطيران يمكن أن يلعب دوراً مهماً في نقل المعدات والأسلحة، لكن الحالة العراقية مختلفة، لأن هناك حدوداً برية طويلة بين إيران والعراق. بالتالي فإن فرض قيود على الطيران الإيراني لن يكون كافياً وحده لمنع إيران من الحفاظ على خطوط الإمداد والاتصال مع حلفائها داخل العراق".
أما بالنسبة إلى التزام الحكومة العراقية بالقيود المفروضة على الطيران الإيراني وبالعقوبات الأميركية، فيشرح عبد الرحمن أن بغداد ستلتزم بها رغم النفوذ الإيراني الكبير داخل العراق، خصوصاً أن عدم الالتزام قد يعرّض الحكومة العراقية والنظام المالي العراقي لمزيد من الضغوط الأميركية.



