تغزو أدوية مجهولة المصدر والتركيبة، تونس، ما دفع الهياكل الصيدلية لإطلاق صيحة فزع والتحذير من هذا الانتشار الكبير والخطير على صحّة التونسيين، في ظلّ نقص كبير في الرقابة على من يقوم بالمتاجرة بها، خصوصا على الفضاءات الافتراضية.
وأصدرت نقابة الصيادلة التونسيين مؤخرا، بيانا عبّرت فيه عن "انشغالها من تنامي ظاهرة بيع الأدوية والموادّ الصيدلانية بصفة مباشرة، أو على شبكات التواصل الاجتماعي"، في ما وصفته بـ"الخرق الواضح للقانون".
وطالبت النقابة وزارة الصحة وباقي الوزارات المعنية، بـ"التصدي بقوّة لهذه الظاهرة، إنفاذا للقانون وحفاظا على الصحة العامة".
وهذه المنتجات لا تخضع لأيّ صنف من أصناف الرقابة، وفق رئيس نقابة الصيادلة نوفل عميرة، الذي طالب السلطات التونسية بالتحرك والتصدّي لهذا الانتشار الكبير والخطير ل"أدوية غير مصنّفة، لا نعلم ماذا تحتوي وأيّ مشاكل صحية قد تتسبب فيها".
ويؤكد عميرة لمنصّة "المشهد"، أنّ هناك الكثير من الأدوية التي باتت تباع خارج المسالك الرسمية للتوزيع، من دون أن تخضع لأيّ شكل من أشكال الرقابة، سواء عبر البيع المباشر، أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.
ويضيف أنّ مصدر هذه الأدوية وتركيبتها مجهولان، وأغلبها وفق المتحدث آتٍ من دول آسيوية كالهند وبنغلادش.
وأشار إلى أنّ ترويج الأدوية المهرّبة، يمثّل تهديدا كبيرا لصحّة المواطنين، بما أنّ العديد منها غير مرخّص له في تونس، وتُستخدم في تصنيعه موّاد أولية مغشوشة.
ويحذّر الصيدلي من خطورة بيع هذه الأدوية على سمعة السياحة الصحية في تونس، موضّحا في هذا السياق، أنّ "المحال التي تعرض هذه الادوية تضع لافتات مكتوبة بالفرنسية، توحي بأنّها صيدليات مرخّص لها من طرف الدولة"، وتابع، "عدد كبير من المرضى القادمين من دول مجاورة، لا يتحدّثون الفرنسية ويعتقدون أنهم يشترون أدوية من صيدلية مرخص لها"، ويقول إنّ أصحاب هذه المحال يبيعونهم موّاد مجهولة وبأسعار مرتفعة جدا، وهو ما يُلحق الضرر وفق رأيه بسمعة الطبّ التونسي والسياحة الصحية، التي تُعتبر مصدرا مهمًّا للعملة الصعبة في تونس.
وتوفر السياحة الطبية والعلاجية في تونس سنويا، عائدات مالية تتجاور الـ1 مليار دينار، حيث تستقبل سنويا ما لا يقلّ عن 550 ألف سائح، وذلك استنادا إلى معطيات صادرة عن الديوان التونسي للسياحة(حكومي).
ويقول الصيدلي التونسي، إنّ هذه الظاهرة "خرجت عن السيطرة"، داعيا السلطات التونسية للتحرك وإنفاذ القانون.
ويضيف، أنه لا يمكن تقدير كميات هذه الأدوية، لكنه يؤكد أنه يتمّ تداولها على نطاق واسع وبكميّات كبيرة، لافتا إلى أنّ جزءا كبيرا منها، موجه للعناية بالبشرة والتجميل والتخسيس والأدوية الجنسية، وهي أصناف أدوية بحسب المتحدث، "تلقى رواجا كبيرا لدى المستهلك".
ويشغّل قطاع الأدوية في تونس بين 9 و10 آلاف شخص، 50% منهم خرّيجو جامعات.
قادمة من التهريب
وعن كيفية دخول هذه الأدوية لتونس، يرجح المتحدث أن تكون هذه المواد المهربة، دخلت عبر مسالك موازية بعيدا عن أعين السلطات الرسمية.
ويجرّم القانون التونسي توريد الأدوية وتداولها، ووحدها الصيدلية المركزية(حكومية) من تمتلك رخصة توريد الأدوية بعد إخضاعها لاختبارات عديدة، والحصول على موافقة اللجان المختصة.
ويرى عميرة أنّ السبب الأول لازدهار تجارة الأدوية غير المرخص لها في الأسواق الموازية، هو أزمة نقص الأدوية التي تعانيه تونس منذ سنوات، موضحا أنّ المتاجرين بها استغلوا هذا النقص لجلب أدوية مجهولة.
وتعاني تونس منذ سنة 2018، نقصا كبيرا في الأدوية، يشمل مئات الأصناف، كثير منها لعلاج الأمراض المزمنة وأمراض السرطان.
وزادت الأزمة الاقتصادية في تونس من مشاكل الصيدلية المركزية، التي لم تعد قادرة على خلاص مستحقات المصنّعين، ما تسبّب في فقدان المئات من أصناف الأدوية.
وتعاني الصيدلية المركزية ديونا متراكمة تجاه المزودين، تُقدّر بنحو 700 مليون دينار (219 مليون دولار).
ويحاول تونسيون التغلب على هذه الأزمة، عبر مساعدة بعضهم من خلال إنشاء مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، لتبادل الأدوية الزائدة عن حاجتهم في ما بينهم.
لكنّ عميرة يحذّر من هذه الظاهرة، التي يقول إنها عشوائية، وفتحت الباب أمام "إنشاء صيدليات موازية غير مرخّص لها، ولا تخضع لرقابة المتخصصين"، مضيفا أنه لا يمكن صرف الأدوية إلا بإذنٍ من الطبيب ثم الصيدلي، بعد الاستظهار بالوصفة الطبيّة.
وشدد عميرة على ضرورة الحفاظ على منظومة توزيع الدواء في تونس، التي استغرق بناؤها ما يزيد عن 50 عاما من الجهد المتواصل.
"ضدّ الطبّ الرعواني"
وتغزو إعلانات لكثير من الأدوية والمكمّلات الغذائية، مواقع التواصل الاجتماعي في تونس، وتحولت هذه الفضاءات إلى سوق افتراضية كبيرة لترويج هذه المنتجات، من دون الخضوع لأيّ نوع من الرقابة.
ويستفيد المتاجرون بهذه الأدوية، من استعمال التونسيين الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي، والتي عوّضت فضاءات الإشهار التقليدية.
ويعوّل هؤلاء على خدمات مؤثرين على الفضاء الافتراضي، للترويج لمنتجاتهم عبر الإشادة بقدرتها الكبيرة على علاج المشاكل الصحيّة، من دون إثبات علمي، وحثّ متابعيهم على استعمالها.
ويصف أهل الاختصاص هذا النوع من الأشهار ب"الكاذب"، محذّرين من العواقب، وكانت نقابة الصيدليات قد قامت برفع قضيّة عدلية ضدّ منصّات إلكترونية، تروّج لأدوية مغشوشة من الهند وبنغلاديش.
وردّا على هذا التوسّع الكبير للإشهار على السوشيال ميديا لهذه المنتجات، أطلقت مؤخرا ناشطات تونسيات حملة تحت شعار "ضدّ الطبّ الرعواني" (غير منظم) من أجل توعية المستهلكين بخطورة ما يُعرض عليهم، وحثّ السلطات على إنفاذ القانون والتصدّي للمخالفين.
وتقول الصحفية التونسية نعيمة الشرميطي، التي قادت الحملة، إنها "انطلقت من بحوث ميدانية حول إشهار كاذب يتعلّق بمنتَج لتبييض الأسنان، تروّج له بعض المؤثرات على السوشيال ميديا، رغم أنه مضر بالصحة وسبق أن حذّرت وزارة الصحة التونسية من مخاطره، في بيان لها صدر منذ أشهر".
وتوّضح أنّ المؤثرين على السوشيال ميديا الذين يتابعهم الملايين، ويتأثرون بما يقولونه يقومون بإشهار كاذب، من دون التقيّد بأيّ معايير علمية أو أخلاقية.
وتضيف أنها جمعت شهادات من متضررات من منتجات تتعلق بالتخسيس وتفتيح البشرة، وتبييض الأسنان، وهو ما دفعها لإطلاق هذه الحملة التي لاقت رواجا كبيرا، وساندها عدد من المتخصصين والمشاهير".
وترتفع في تونس في الفترة الأخيرة، الأصوات الداعية لتنظيم النشاط التجاري، والإشهار على مواقع التواصل الاجتماعي، وإخضاعها للقانون كما هو معمول به في دول كثيرة.