hamburger
userProfile
scrollTop
أخبار

لماذا تصعّد إيران حملتها الأمنية في بلوشستان؟

ترجمات

استمرار القمع قد يعمّق الفجوة بين السلطات والسكان (رويترز)
استمرار القمع قد يعمّق الفجوة بين السلطات والسكان (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • إيران تكثف حملتها الأمنية في بلوشستان وسط مخاوف من اضطرابات جديدة.
  • الإقليم يعاني تهميشاً وفقرًا وبطالة مزمنة منذ عقود.
  • طهران تربط الجماعات المسلحة في المنطقة بأعدائها في الخارج.
  • الحرب تزيد مخاوف إيران من تحول بلوشستان إلى جبهة جديدة.

كثّفت إيران عملياتها الأمنية في إقليم سيستان وبلوشستان جنوب شرقي البلاد، في مؤشر على مخاوف طهران من أن تؤدي حالة عدم الاستقرار الناجمة عن الحرب إلى تفاقم مظالم عرقية وطائفية واقتصادية متجذرة منذ سنوات.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني، الجمعة، اعتقال شخص وصفه بأنه أحد عناصر جماعة مسلحة في إقليم سيستان وبلوشستان، بعد أيام من مقتل اثنين من أفراد الجماعة نفسها. وقالت وكالة "فارس" شبه الرسمية إن القوات صادرت أسلحة وذخائر ومتفجرات ومعدات اتصال، مشيرة إلى أن المجموعة كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضد أهداف محددة مسبقاً في الإقليم.

وجاء الإعلان بعد سلسلة عمليات مماثلة. فقد أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية، الخميس، تفكيك خليتين وصفتهم بـ"الإرهابيتين التكفيريتين" في مدينة خاش بالإقليم نفسه، ما أسفر عن مقتل شخصين واعتقال 4 آخرين. كما واصل الحرس الثوري الإعلان عن اعتقالات وعمليات أمنية دامية أخرى في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة.

تزايد وتيرة العمليات

وتصف السلطات الإيرانية عادة الجماعات المسلحة المعارضة في جنوب شرقي البلاد بأنها جماعات إرهابية أو انفصالية، لكن تزايد وتيرة العمليات مؤخراً يحمل دلالة خاصة، إذ يشير إلى أن طهران، بالتوازي مع حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تراقب عن كثب إقليماً لطالما تداخل فيه النشاط المسلح مع حالة من الاستياء الشعبي، وفق تقرير لموقع "المونيتور".

وتُعد سيستان وبلوشستان من أكثر المناطق تهميشاً في إيران، وتمتد على الحدود الجنوبية الشرقية غير المحكمة مع باكستان وأفغانستان، ويسكنها غالبية من السنة وأفراد الأقلية البلوشية. ووفق تقييم أوروبي لطلبات اللجوء صدر عام 2025، تعاني الأقلية البلوشية نمطا مستمرا من التمييز منذ الثورة الإيرانية عام 1979.

كما أشار تقييم حديث للأمم المتحدة إلى أن سيستان وبلوشستان لا تزال أفقر أقاليم إيران، رغم امتلاكها موارد معدنية وبحرية، في ظل البطالة المزمنة ومحدودية الاستثمارات الحكومية واستبعاد قطاعات من السكان عن أجزاء من الاقتصاد الرسمي.

وتساعد هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية في تفسير أسباب ظهور النشاط المسلح في المنطقة. وتقدم جماعات مثل "جيش العدل"، المصنفة منظمة إرهابية من جانب الولايات المتحدة، نفسها على أنها مدافعة عن حقوق البلوش والسنة، رغم تنفيذها هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية ومدنيين في بعض الحالات.

ويصف المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب "جيش العدل" بأنه تنظيم مسلح سني يقول إن أهدافه تشمل الحصول على حقوق ثقافية واقتصادية وسياسية أكبر للبلوش، فيما تتركز هجماته بشكل أساسي على عناصر الأمن الإيراني من خلال الكمائن والاغتيالات وعمليات الخطف والهجمات الانتحارية.

وفي أبريل 2024، شن مسلحون يشتبه بانتمائهم إلى "جيش العدل" هجمات منسقة على مراكز أمنية في تشابهار وراسك، أسفرت عن مقتل عناصر إيرانيين. وفي يوليو 2025، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم على محكمة في الإقليم أدى إلى مقتل مدنيين، قبل أن تتواصل أعمال العنف التي استهدفت القوات الإيرانية خلال الأشهر الأخيرة.

احتجاجات 2022.. من الغضب إلى التهديد

أظهرت احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022 مدى سرعة توسع الرواية الأمنية لدى السلطات الإيرانية لتشمل الاحتجاجات الشعبية إلى جانب الجماعات المسلحة.

ففي 30 سبتمبر 2022، اندلعت احتجاجات في زاهدان، عاصمة الإقليم، بعد تقارير عن اغتصاب قائد شرطة محلي فتاة مراهقة، بالتزامن مع الاحتجاجات التي اجتاحت إيران إثر وفاة مهسا أميني. وأطلقت قوات الأمن النار على المحتجين أثناء توجههم نحو مركز للشرطة.

ووثقت منظمة العفو الدولية مقتل ما لا يقل عن 100 شخص، بينهم 16 طفلاً، في أحداث باتت تُعرف باسم "الجمعة الدامية".

وقالت السلطات الإيرانية حينها إن بعض المحتجين كانوا مسلحين ومرتبطين بجماعات إرهابية أو انفصالية، لكن مولوي عبد الحميد، أبرز رجال الدين السنة في الإقليم، رفض هذا التوصيف، واتهم السلطات بتنفيذ "مؤامرة معدة مسبقاً"، كما انتقد غياب السنة عن المناصب العليا في الإقليم منذ الثورة الإيرانية.

وفي منطقة ينظر فيها كثير من السكان إلى الدولة من زاوية التمييز والإجراءات الأمنية المشددة، يمكن أن يؤدي تكرار الحديث عن التهديدات "الإرهابية" إلى تعزيز الانطباع بأن المظالم الجماعية يجري التعامل معها باعتبارها مشكلات أمنية بالدرجة الأولى.

جبهة هشّة في زمن الحرب

تأتي الحملة الأمنية الأخيرة في ظل تحول أوسع في البيئة الأمنية الإيرانية. وخلال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، لم يكن إقليم سيستان وبلوشستان بمنأى عن المواجهات، إذ استهدفت ضربات أميركية مواقع عسكرية في الإقليم خلال يوليو، بينها منشأة في إيرانشهر وموقع آخر للحرس الثوري في سراوان.

ويمنح ذلك طهران سبباً إضافياً للنظر إلى الإقليم من منظور الأمن القومي، خصوصاً أن المنطقة تمثل ممراً رئيسياً للعبور، وتحد دولتين، وتضم شبكات مسلحة قادرة على استغلال طبيعتها الجغرافية الوعرة والحدود غير المحكمة.

واتهمت الجمهورية الإسلامية مراراً قوى أجنبية باستغلال هذه الثغرات. ففي نوفمبر 2024، وبعد هجوم استهدف وحدة للشرطة الإيرانية في الجنوب الشرقي، قال قائد في الحرس الثوري إن توقيت الهجوم، الذي تزامن حينها مع ضربات إسرائيلية على أهداف عسكرية إيرانية، "لم يكن مصادفة"، زاعماً أن لدى طهران معلومات تفيد بأن المسلحين جرى توظيفهم من جانب إسرائيل لزعزعة الاستقرار.

ومن خلال ربط النشاط المسلح المحلي بأعداء خارجيين، تضع طهران المشكلات الأمنية في الإقليم ضمن صراعها الأوسع مع إسرائيل والولايات المتحدة وخصوم آخرين. إلا أن هذه المقاربة قد تحجب الفارق بين عمليات مسلحة مدعومة من الخارج ومظالم محلية متجذرة.

باكستان وأفغانستان

وتزيد جغرافية الإقليم من تعقيد المشهد، إذ تنتشر المجتمعات البلوشية بين إيران وباكستان وأفغانستان، وتربطها علاقات عائلية وقبلية ولغوية ودينية قديمة عبر الحدود.

واتهمت إيران باكستان مراراً بالسماح لمسلحين بالعمل انطلاقاً من أراضيها، وهو ما تنفيه إسلام آباد. ووصل البلدان إلى حافة حرب في يناير 2024، عندما قصفت إيران ما قالت إنها مواقع لـ"جيش العدل" داخل باكستان، وردت إسلام آباد بضرب مواقع لمسلحين داخل إيران.

لكن التحدي الأعمق يبقى داخليا، بحسب التقرير، فإجراءات إيران لاعتقال أو قتل المسلحين وتعطيل شبكات الأسلحة وتشديد الرقابة على الحدود قد تكون ضرورية لمنع الهجمات، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية التي تغذي النشاط المسلح داخل مجتمع يشعر بالتهميش.

وقد تجعل ضغوط الحرب هذا التناقض أكثر حدة، إذ لدى طهران دوافع قوية لمنع فتح جبهة جديدة من عدم الاستقرار بالتزامن مع مواجهة أعداء خارجيين. لكن إذا شعر السكان بأن الإجراءات الأمنية المشددة تتحول إلى عقاب جماعي، فإنها قد توسع الفجوة القائمة بين الدولة والمجتمع الذي تحتاج إلى تعاونه.

وفي هذا السياق، تشير العمليات الأمنية الأخيرة إلى أن طهران ترى في سيستان وبلوشستان نقطة ضعف محتملة خلال الحرب، لكنها تذكر في الوقت نفسه بأن عدم الاستقرار في الإقليم لا يمكن تفسيره فقط بالمؤامرات الخارجية أو نشاط الجماعات المسلحة.

وتدور المنطقة في حلقة أمنية مفرغة؛ فالنشاط المسلح يدفع إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وهذه الإجراءات تعمق الشعور بالعزلة، فيما يمنح هذا الشعور المسلحين مساحة سياسية أكبر لتبرير العنف باسم الفئات المهمشة.

ويبقى المدنيون، الذين اعتادوا على انتهاكات الحقوق ونقاط التفتيش والفقر والإقصاء السياسي، عالقين في قلب هذه الدائرة، في وقت يمكن فيه معالجة كثير من مظالمهم عبر حلول غير عسكرية.

news_suggested_videos_استنفار أمني بالمغرب.. وتحرك عاجل لإحباط دعوات مجهولة للعبور إلى سبتة ومليلية
play