في خضم تصاعد وتيرة الاستقطاب السياسي التي تعصف بالساحة الإسرائيلية قبيل انتخابات الكنيست المقرّرة في خريف 2026، يبرز المشهد العربي باعتباره أحد أكثر الملفات إثارةً للجدل، وأكثرها قدرة على إعادة رسم خرائط التحالفات الحكومية.
وبينما تشهد الأحزاب العربية محاولة غير مسبوقة لتوحيد صفوفها تحت مظلة "قائمة موحدة"، بدافع شعبي جارف يُقدّر أن يرفع تمثيلها إلى مستويات تاريخية، تقابلها موجة من الهجمات اليمينية الإسرائيلية المتصاعدة التي تسعى إلى إجهاض هذا المشروع قبل أن يرى النور، أو على الأقل تجريده من أي تأثير سياسي فعلي.
وفي سياق الحملة الانتخابية، صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت لهجته ضد العرب، وأعلن رفضه القاطع لأي شراكة سياسية مع الأحزاب العربية، لتضيف بُعداً جديداً لهذه المواجهة.
وتحوّلت الانتخابات إلى ساحة صراع مكشوف بين رؤيتين، الأولى تسعى إلى تعزيز التمثيل العربي كعنصر فاعل في المعادلة السياسية الإسرائيلية، والثانية تصر على تهميش هذا الصوت وتصويره باعتباره خطراً وجودياً على إسرائيل.
وما يعقد المشهد أكثر هو تشكّل تحالفات جديدة في معسكر الوسط، كتحالف "معاً" بين بينيت ويائير لبيد، الذي يقدم نفسه كبديل لبنيامين نتانياهو، لكنه يستبعد العرب من أي معادلة حكومية، مما يضع الأحزاب العربية أمام خيارات إستراتيجية مصيرية.
وتقف القائمة العربية الموحدة أمام مفارقة سياسية كبرى، ففي الوقت الذي يمنحها الشارع العربي ثقلاً تمثيلياً غير مسبوق، يحاصرها اليمين والوسط معاً بخطاب الإقصاء.
الوحدة العربية تواجه حملات الإقصاء
يقف النائب سامي أبو شحادة، أحد أبرز مهندسي القائمة العربية الموحدة، اليوم أمام اختبار مصيري بين آمال الشارع العربي وهجمات اليمين الإسرائيلي المتطرف في خضم سباق الانتخابات الإسرائيلي المحتدم.
وفي هذا الصدد، قال أبو شحادة لمنصة "المشهد" إن "القائمة الموحدة ستحقق نقلة نوعية في التمثيل العربي بالكنيست الإسرائيلي، على الرغم من عملنا داخل خارطة سياسية عنصرية بشقيها، نصف مع نتانياهو وآخر ضده، ولدى الجزأين عنصرية ضد كل ما هو عربي وفلسطيني".
وأضاف: "نتوقع أن يكون هناك تحريض كبير ويتطور إلى عنف، لأن الصوت العربي الفلسطيني هو العامل الأهم في المعركة الانتخابية في إسرائيل بين المعسكرين".
وتابع أبو شحادة: "نتوقع أن يؤدي لتحريض عنصري بشع، وقد يتدهور لعنف بسبب الفاشية التي وصل إليها المجتمع الإسرائيلي، لكن لدينا ولدى الجمهور العربي في إسرائيل رغبة شديدة لرفع نسبة التصويت والتمثيل العربي لمنع الائتلاف الحاكم المجرم من العودة إلى الحكم مرة أخرى، نتوقع بهذه الانتخابات ازديادا ملحوظا بنسبة التصويت بالمجتمع العربي".
وأكد أن "حملات اليمين الإسرائيلي لن تثنيهم عن خوض المعركة الانتخابية، فخطاب التأثير الذي نسمعه في السنوات الأخيرة، ومن يطالب بالتأثير علينا عبر الدخول للحكومة الإسرائيلية ويسعى بأن يفرض علينا القبول بالاحتلال الإسرائيلي، والعنصرية، والفوقية اليهودية من أجل أن ندخل لملعب الانتخابات، نحن نرفض الدخول لهذا الملعب العنصري بالتنازل عن مطالبنا وحقوقنا وثوابتنا، وغير مقبول أن يكون لليهودي في فلسطين فوقية واستعلاء، ونحن _أبناء الوطن الأصليين_ نتحول إلى ضيوف في وطننا، ونفقد حقوقنا الجماعية، ونقبل بالاحتلال الإسرائيلي على أبناء شعبنا".
وشدد أبو شحادة على أن "الوحدة العربية هي السبيل الوحيد لكسر العزلة السياسية، في ظل انعدام وجود شريك إسرائيلي في الخارطة السياسية يحمل فكرا إنسانيا وديمقراطيا ومستعدا لتسوية تاريخية كما نريد، ويبني نظاما ديمقراطيا مبنيا على قيم العدالة والحرية والمساواة للجميع، لكن بسبب غياب مثل هذا الطرف، نحن نرفض أن نكون جزءا من حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ومن حكومات الفوقية اليهودية والعنصرية".
وقال: "سنفرض أنفسنا كعنصر توازن في الكنيست الإسرائيلي"، حيث إن هناك 4 أحزاب سياسية في الخارطة السياسية الفلسطينية في داخل إسرائيل، التجمع الوطني الديمقراطي برئاسته، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة برئاسة يوسف جبارين، والقائمة العربية للتغير يرأسها أحمد الطيبي، والقائمة العربية الموحدة التي يرأسها منصور عباس.
وأكد أبو شحادة أنه بعد أشهر من المفاوضات، فإن هناك تقدما ملموسا بين التجمع والجبهة والتغيير لبناء قائمة مشتركة ثلاثية في الانتخابات القريبة، مضيفا "للأسف هناك خلاف مع الأخوة في القائمة العربية الموحدة، نتمنى أن لا يكون هذا الخلاف، ويكونوا مع أبناء شعبهم في الوحدة، لكنهم اختاروا أن يكونوا خارج الإجماع العربي، نحن نريد أوسع تحالف عربي ممكن من أجل إسقاط حكومة اليمين الفاشية، حتى اللحظة الصورة غير واضحة كيف ستكون الانتخابات، لأنه ما زالت تتشكل أحزاب جديدة وتنهار أخرى".
تهديد وجودي
يواجه مشروع القائمة الموحدة هجوماً عنيفاً من أقطاب اليمين الإسرائيلي، الذين يرون في ارتفاع التمثيل العربي تهديداً مباشراً لحظوظهم في تشكيل الحكومة.
وأوضح الخبير بالشؤون الإسرائيلية أمير مخَول لمنصة "المشهد" أن "ما نشهده يتجاوز المناورة الانتخابية لأسباب عدة، أولاً، تجاوز خطاب بينيت لسقف المناورة، فهو ليس غريباً عن التعاون مع العرب، فقد قاد حكومة ائتلافية بمشاركة عربية عام 2021، لكن إصراره هذه المرة على وصف حكومته المحتملة بأنها أغلبية صهيونية واستبعاده للعرب لأنهم ليسوا صهاينة، يحمل نبرة أيديولوجية تتجاوز مجرد كسب الأصوات".
وأضاف أن "محاولات الحظر والتجريم، لا تقتصر على الخطاب بل تتجاوزه إلى إجراءات قانونية، حيث كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن مساعٍ يقودها مقربون من نتانياهو لحظر مشاركة القائمة العربية الموحدة في الانتخابات، وتصنيف الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي حركتها الأم كمنظمة إرهابية هذه الإجراءات تعكس نية ممنهجة لتجفيف التمثيل العربي جذرياً".
وشدد مخوّل على أن هناك إجماعا يمينيا وسط على الإقصاء، استبعاد العرب لم يعد حكراً على اليمين المتطرف، فتحالف بينيت لبيد، الذي يقدم نفسه كبديل معتدل، يتبنى ذات السياسة".
وأكد أن "التقديرات تفيد بأن القائمة العربية قد تحصد من 15 إلى 17 مقعداً تجعلها قادرة على قلب موازين القوى، لذلك الحملة الحالية هي معركة وجودية استباقية، هدفها منع العرب من امتلاك هذه القوة التفاوضية، وليس مجرد خطاب عابر، ما نراه هو ترسيخ لإقصاء عربي ممنهج، يخفي خلفه اليمين نواياه، ويسوقه الوسط وكأنه واقعية سياسية، الفرق أن هذه المرة، الإقصاء يُمارس بقوانين وتشريعات، وليس فقط بشعارات".
العرب مفتاح الحكومة
من جانبه، أكد الأكاديمي والخبير السياسي الإسرائيلي شمعون شتريت لمنصة "المشهد"، أن ذلك "يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الأحزاب على تقديم قائمة موحدة، إذ أثبتت التجارب السابقة أن الأحزاب العربية تحقق تمثيلاً برلمانياً أكبر عندما تخوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة، في هذه الدورة.
وقال شتريت إن التقديرات تشير إلى أن الوحدة قد ترفع عدد مقاعد النواب العرب في الكنيست إلى 15 مقعداً، بل قد تصل إلى 17 مقعداً إذا ارتفعت نسبة التصويت العربي، لكن التحدي الأكبر لا يكمن في عدد المقاعد فقط، بل في نوعية التأثير الذي يمكن لهذه الكتلة أن تمارسه، "فالقائمة الموحدة الأكبر حجماً قد تتحول من كتلة هامشية إلى صانعة الملك القادرة على ترجيح كفة أحد المعسكرين، مما يمنحها قوة تفاوضية غير مسبوقة".
وشدد شتريت على أن هذا الطموح العربي يصطدم بعقبات حقيقية، "أولاً، مساعٍ لحظر القائمة، هناك تحركات يقودها مقربون من نتانياهو تهدف إلى حظر مشاركة القائمة العربية الموحدة في الانتخابات، بالتوازي مع بحث إمكانية تصنيف الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي كمنظمة إرهابية، ثانياً، الاستقطاب الحاد، إعلان تحالف معاً بين بينيت ولبيد يعني استبعاده للعرب من أي معادلة حكومية، وستجد القائمة العربية نفسها محاصرة بين رفض اليمين واستبعاد الوسط".
كما أكد شتريت أن "هذه الإستراتيجية تحمل في طياتها مخاطرة كبيرة، فهي بمثابة مفارقة بينيت، فمن جهة، يسعى بينيت عبر تحالفه مع لبيد إلى التموضع في الوسط السياسي واستقطاب الناخبين اليمينيين المعتدلين والساخطين على نتانياهو، لكنه في الوقت نفسه يغلق الباب أمام أي شراكة عربية، مما يدفع الأحزاب العربية التي قد تحقق 17 مقعداً إلى خيار المعارضة الصلبة أو حتى التحالف مع معسكر نتانياهو إن أبدى انفتاحاً".
وأضاف أن "السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن هذه الإستراتيجية لن تنجح في جذب ناخبي اليمين المتطرف، لأنهم يجدون بديلهم الطبيعي في أحزاب اليمين الصهيوني المتشدد، كما أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن تحالف معاً قد يحقق 26 مقعداً، لكن هذا لا يكفي لتشكيل حكومة دون دعم الأحزاب العربية، خصوصا إذا ما أصر بينيت على استبعادها، وهنا تكمن المفارقة، بينيت الذي قاد حكومة ائتلافية بمشاركة عربية عام 2021، يجد نفسه اليوم في موقف قد يضطره للعودة إلى الخيار نفسه إذا أراد تشكيل حكومة بديلة".



