ويرى محللون وخبراء أميركيون في التقرير، أنّ العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، لم تحقق حتى الآن الأهداف التي أعلنها ترامب، سواء ما يتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي، بينما أدى استمرار المواجهة، إلى خلق معضلة إستراتيجية جديدة، تتمثل في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
صراع مفتوح
ومع تعثر المسار الدبلوماسي، واستئناف الضربات العسكرية بعد انهيار وقف إطلاق النار، تزداد المخاوف من تحول المواجهة إلى صراع مفتوح يصعب إنهاؤه، في ظل غياب تسوية سياسية مستدامة، أو رؤية واضحة لمرحلة ما بعد العمليات العسكرية.
ويقول علي واعظ مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إنّ الطرفين، تعاملا مع مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها باعتبارها وسيلة لمواصلة الحرب بوسائل مختلفة، وليس جسرا نحو السلام، محذرا بحسب التقرير، من أنّ غياب إستراتيجية طويلة الأمد، قد يهيّئ الظروف لاندلاع "حرب أبدية".
ويستحضر خبراء التقرير، تجارب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق، حيث بدأت التدخلات العسكرية بأهداف محددة، لكنها تحولت تدريجيا إلى نزاعات استمرت سنوات طويلة، وانتهت بكلفة بشرية ومادية وسياسية مرتفعة، من دون تحقيق نتائج حاسمة.
ويعتبر لورنس فريدمان أستاذ دراسات الحرب في كلية كينغز بلندن، أنّ القوى الكبرى، كثيرا ما تقع في ما يسمّيه "وهم الحرب القصيرة"، إذ تعتقد أنها قادرة على تحقيق انتصار سريع، قبل أن تكتشف حدود القوة العسكرية، وصعوبة تحويل التفوق الميداني إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية دائمة.
ويشير بحسب التقرير، إلى أنّ ترامب، كما حدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، وضع أهدافا يصعب تحقيقها إلا عبر صراع طويل، في وقت يرفض فيه إرسال قوات برية إلى إيران، مكتفيا بالاعتماد على القوة الجوية والبحرية، وهو ما يزيد من تعقيد تحقيق أهداف الحرب.
ويقارن محللون بين الحرب الحالية وحرب الخليج عام 1991، التي انتهت سريعا بعدما حدد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب هدفا سياسيا محدودا تمثل في إخراج القوات العراقية من الكويت، في مقابل الغزو الأميركي للعراق عام 2003، الذي تحول إلى حرب استنزاف طويلة وأسهم، وفق عدد من خبراء بالتقرير، في تعزيز النفوذ الإيراني داخل المنطقة.
فصل جديد مع ترامب
ويضيف التقرير أنّ ترامب، ينظر إلى الحرب الحالية باعتبارها محاولة لإنهاء عقود من الصراع بين واشنطن وطهران، الممتد منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن الأميركيين، إلا أنّ آخرين يعتبرون أنّ المواجهة الحالية ليست سوى فصل جديد من نزاع تاريخي، شهد فترات من التصعيد وأخرى من التفاهم، كما حدث مع الاتفاق النووي المبرم عام 2015، قبل انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018.
ويقول آرون ديفيد ميلر الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إنّ ترامب، انخرط أيضا في الصراع الممتد بين إسرائيل وإيران، والذي يخاض بصورة مباشرة وغير مباشرة عبر ساحات متعددة، تشمل لبنان والأراضي الفلسطينية واليمن، ما يزيد بحسب التقرير، من تعقيد أيّ محاولة للتوصل إلى تسوية شاملة.
ورغم أنّ الرئيس الأميركي لا يزال قادرا، بحسب بعض المحللين في التقرير، على إعلان تحقيق أهدافه وإنهاء التدخل العسكري، فإن المؤشرات الحالية، توحي باستمرار التصعيد، خصوصا مع تمسك واشنطن بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، مقابل إصرار طهران على الاحتفاظ بأوراق الضغط التي يوفرها المضيق.
ويؤكد خبراء التقرير، أنّ الحرب الحالية تختلف عن النزاعات الأميركية السابقة في العراق وأفغانستان، إذ لا تعتمد على انتشار واسع للقوات البرية، كما أنّ إيران تمتلك قدرة مباشرة على إلحاق أضرار بالاقتصاد العالمي، عبر التأثير في حركة الملاحة وإمدادات النفط، وهو ما يمنحها أدوات ضغط لم تتوافر لخصوم الولايات المتحدة في الحروب السابقة.
وتعتبر سوزان مالوني مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، أنّ المنطقة دخلت مرحلة جديدة لن يكون فيها مضيق هرمز مفتوحا بالشكل الذي كان عليه قبل الحرب، مرجحة أن تفرض التطورات وجودا عسكريا أميركيا أكبر في المنطقة، لمواجهة أيّ تهديدات متكررة للملاحة.
ويضيف ولي نصر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، أنّ إيران، تمتلك ميزة إستراتيجية تتمثل في استعدادها لتحمل صراع طويل مقارنة بالولايات المتحدة، التي غالبا بحسب التقرير، ما تتراجع وتيرة انخراطها العسكري مع مرور الوقت، كما حدث في فيتنام وأفغانستان، وهو ما قد يمنح طهران أفضلية في حرب استنزاف ممتدة.
وفي ظل انهيار التفاهمات السابقة واستمرار التباعد بين موقفي واشنطن وطهران، يرى خبراء "نيويورك تايمز"، أنّ فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية لا تزال بعيدة، محذرين من أنّ الفشل في الحفاظ حتى على الحد الأدنى من الاتفاقات الموقتة، قد يفتح الباب أمام تحول المواجهات المتقطعة، إلى صراع طويل الأمد يصعب احتواؤه.






