تشهد المنطقة الحدودية بين سوريا والعراق تصاعدًا لافتًا في منسوب التوتر الأمني، عقب موجة جديدة من الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع عسكرية في منطقتي التنف والحسكة.
وبينما تلوّح دمشق بخيارات الرد العسكري لردع هذه الاختراقات، تتسارع التحركات في بغداد لاحتواء الموقف وضبط الجهات المسؤولة عن إطلاق هذه المسيّرات، في تطور يضع العلاقات الثنائية أمام اختبار مباشر لقدرة البلدين على فرض سيادتهما وتأمين حدود ممتدة باتت ساحة لتحديات أمنية عابرة للجغرافيا.
"دولة فوق الدولة"
وتعليقًا على ذلك، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي إحسان القيسون، أنّ الحكومة العراقية تعيش حالة من فقدان "بوصلة الأمن القومي"، نتيجة غياب سلطتها على قرار الحرب والسلم.
وأكد القيسون خلال حديثه لبرنامج "استوديو العرب" الذي يُبث على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامي محمد أبو عبيد، أنّ الساحة العراقية تشهد تغوّلًا لفصائل مسلحة تعمل كـ"دولة موازية" أو "دولة فوق الدولة"، وهي فصائل موكلة من قبل طهران لتنفيذ أجندات إقليمية.
وكشف أنّ هذه الجماعات لم تستهدف السيادة السورية فحسب، بل سبق أن أعلنت الحرب على الداخل العراقي، واستهدفت مواقع تابعة للجيش والمخابرات وقوات البشمركة، وصولًا إلى المطارات المدنية وتهديد دول جوار أخرى كالكويت.
وأضاف القيسون أنّ هذه الفصائل لا تتحرك من تلقاء نفسها، بل بإشراف مباشر من مستشارين تابعين لـ"فيلق القدس"، محذرًا القيادة السورية من "الانجرار" إلى هذا الفخ.
ويرى أنّ الهدف الإستراتيجي الإيراني هو توسيع رقعة الحرب وجعلها إقليمية شاملة، وهو ما يتطلب من دمشق ممارسة أقصى درجات ضبط النفس الإستراتيجي.
إستراتيجية الرد المتكافئ
من جانبه، أكد الخبير العسكري والإستراتيجي أسعد الزعبي، أنّ الجيش السوري يمتلك القدرة الكاملة على الردع، مستشهدًا بنجاحات القوات السورية في فترات سابقة بصد وطرد عشرات الفصائل المسلحة المدعومة من طهران.
وأشار الزعبي إلى أنّ الادعاءات باستهداف قواعد أميركية ما هي إلا "ذرائع واهية"، مؤكدًا خلوّ تلك المواقع من الوجود العسكري الأميركي، ما يجعل الهدف الحقيقي هو زعزعة استقرار الدولة السورية.
وأوضح أنّ القيادة السورية برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، أعلنت بوضوح أنها لن تنجر إلى مواجهات مفتوحة، وستكتفي بالرد الحازم على مصادر النيران.
وكشف الزعبي عن وجود 3 فرق عسكرية سورية مرابطة حاليًا على الحدود العراقية، تمتاز بجاهزية قتالية عالية وتدريب نوعي للتعامل مع حرب العصابات والميليشيات.
وشدد على أنّ التنسيق مع الجانب العراقي مطلوب، مشيرًا إلى أنّ الرد السوري سيكون "فعلًا موازيًا ومعاكسًا" لأيّ اعتداء، لضمان حماية السيادة من دون الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب.
مأزق الإرادة السياسية
وتطرق النقاش إلى عقبة "الإرادة السياسية" في بغداد، حيث لفت القيسون إلى أنّ رؤساء الحكومات المتعاقبة يحاولون "إمساك العصا من المنتصف" لإرضاء القوى الدولية والإقليمية، رغم امتلاك العراق لجيش يتجاوز المليون مقاتل وأجهزة أمنية متطورة.
واعتبر أنّ تماهي الحكومة مع هذه الفصائل -التي تتلقى رواتبها وأسلحتها، بما فيها معدات أميركية، من الدولة- يضع مصداقية بغداد على المحك.