في مشهد يعيد رسم ملامح الصراع، يتحول سباق الكنيست الإسرائيلي إلى معركة وجود على الأرض الفلسطينية، وفي وقت يقدم اليمين الإسرائيلي هدايا انتخابية لمستوطني الضفة الغربية، يتصاعد الموت والجوع في غزة، تهدم البيوت في سائر المناطق، وتصادر الأراضي.
في الخريف المقبل، لا يلوح في الأفق حل سياسي أو إقامة للدولة الفلسطينية الموعودة، بل تتنامى وتيرة الإستيطان والتهجير القسري، وكأن التنافس على الكراسي البرلمانية لا يُقرر مصير الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل يحسم أيضاً مستقبل الفلسطينيين بين المطرقة الاستيطانية وسندان الحصار.
يؤكد مراقبون لـ"المشهد"، أن "التصعيد الحالي ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تنافس سياسي شرس بين أحزاب الائتلاف الحاكم، حيث يسعى كل طرف لتقديم أوراقه الانتخابية على حساب الفلسطينيين"، فوزير المالية سموتريتش يهدد بضم الضفة رسمياً، ويصرّح بأن "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين الحل الأمثل.
بينما يدفع وزير الأمن القومي بن غفير نحو تصعيد عسكري واسع في غزة، ويُلوّح بإعادة بناء المستوطنات في القطاع، في دلالة واضحة أن واقع ومستقبل الفلسطينيين سلعة في سوق السياسة الإسرائيلية، يتاجر بها اليمين لكسب أصوات قاعدته المتطرفة، في وقت تتراجع فيه أحزاب الوسط واليسار إلى هامش المشهد، عاجزة عن تقديم بديل سياسي يحمي ما تبقى من فرص السلام.
ويعكس الواقع الإنساني المتدهور في الضفة الغربية وغزة حقيقة مرة، ففي الوقت الذي يتنافس فيه الوزراء الإسرائيليون على من سيهدم المنازل، ومن سيُصادر الأراضي، ومن سيُشدد الحصار أكثر، يعيش الفلسطينيون صنوفاً من القهر لا تحتمل، أمهات في غزة يبحثن عن لقمة الخبز لأطفالهن تحت القصف، ومرضى يموتون على أبواب المستشفيات المغلقة بسبب نقص الأدوية، وآباء في الضفة يُقتلعون من بيوتهم التي عمرها آباؤهم وأجدادهم.
الانتخابات تسرع الثورة الإستيطانية
شدد الباحث والمحلل السياسي أحمد رفيق عوض، لمنصة "المشهد" بأن، "التصعيد ليس جديداً، بل هو نتاج طبيعي لتنافس سياسي داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل، حيث يحوّل الوزراء المتطرفون القضية الفلسطينية إلى سلعة انتخابية لكسب أصوات الناخبين".
وقال عوض "سموتريتش وبن غفير يدركان أن ملفي الاستيطان وغزة هما الورقة الرابحة في السباق نحو الكنيست، خصوصا مع تراجع شعبيتهما في استطلاعات الرأي، وما نراه اليوم مزايدة انتخابية خطيرة، سموتريتش يعلن المصادقة على بناء نحو 60 ألف وحدة استيطانية، ويدعو لإزالة الحدود الفاصلة بين مناطق الضفة الغربية، بينما يهدد بن غفير بتشجيع الهجرة للفلسطينيين من غزة والضفة".
وأكد أن هذه التصريحات ليست مجرد خطاب انتخابي، بل تُترجم لسياسات على الأرض تهدف إلى خلق واقع جديد يستحيل معه العودة إلى أي مفاوضات.
وأشار عوض إلى أن تأثير التنافس الانتخابي الإسرائيلي كارثي ومتعدد الأوجه، "في غزة، نرى صورة مأساوية حيث يستخدم اليمين الإسرائيلي ورقة التهديد بالاجتياح وإعادة الاستيطان كأداة للضغط، مطالباً بوقف المساعدات وفرض حصار مشدد تحت ذريعة إخضاع “حماس"، وفي الضفة الغربية، يتجلى التأثير عبر عنف المستوطنين وهدم المنازل والتشريد، والمشاريع الإستيطانية التي تقوض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً".
وفي هذا الصدد، اعتبر عوض أن "التصريحات والسياسات الإسرائيلية المعلنة تتجاوز فكرة توسيع الاستيطان إلى مشروع واضح لتصفية القضية الفلسطينية، عبر الإعلان عن تهجير سكان غزة وجعل القطاع جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، والعمل على ضم الضفة الغربية رسمياً عبر فرض السيادة وتشجيع الهجرة والاستيطان، هذه الرؤية الأيديولوجية تهدف إلى تقويض أي أفق لحل الدولتين، والوصول إلى ما يمكن وصفه بالموت السريري لهذا الحل".
دفن حل الدولتين
وصف الخبير السياسي الإسرائيلي يوآف شتيرن، خلال حديثه لمنصة "المشهد" أن "التصعيد سياسة متعمدة وورقة انتخابية لاستقطاب الناخبين اليمينيين، حيث تتحول الأراضي الفلسطينية وحياة الفلسطينيين إلى سلعة في المزايدات الانتخابية بين الأحزاب المتنافسة".
وأكد أن "هذا نهجٌ اتبعته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي وظفت الاستيطان كأداة للحصول على أصوات الناخبين، حيث وافقت الحكومة خلال فترات الدعاية الانتخابية على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية وصادرت آلاف الدونمات بقرارات عسكرية، فيما غاب خطاب السلام أو أي رؤية سياسية من البرامج الإنتخابية".
وأشار الخبير السياسي شتيرن إلى أن "ما نراه اليوم هو تسارع غير مسبوق في هذا النهج، مع تصريحات رسمية بمواصلة الاستيطان، هذا الخطاب يتزامن مع خطوات ميدانية ملموسة، وهذا التصعيد ليس مجرد رد فعل عسكري، بل حملة منظمة تهدف لفرض وقائع جديدة على الأرض بوتيرة متسارعة، يستغلها اليمين الإسرائيلي لكسب أصوات الناخبين قبل صناديق الاقتراع، يدفع الفلسطينيين ثمن هذه المزايدات الانتخابية".
ويعتقد شتيرن أن "ما يجري على الأرض يثبت أن إجهاض حل الدولتين ليس مجرد شعار انتخابي، بل هدف إستراتيجي تعمل عليه الحكومة الإسرائيلية الحالية بشكل ممنهج".
وأضاف أن "الاستنتاج يستند إلى عدة وقائع، أولاً، التصريحات الرسمية تترجم إلى أفعال، ثانياً، إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بالمشاريع الاستيطانية، ثالثاً، الحكومة الإسرائيلية تدرس تطبيق السيادة على أجزاء من الضفة بشكل استباقي، قبل أي اعتراف أممي محتمل بدولة فلسطينية، بهدف تحييد أي مكاسب سياسية للفلسطينيين في المحافل الدولية، رابعاً، الإجماع الإسرائيلي على إجهاض إقامة دولة فلسطينية".
سباق على التطرف
بدوره، قال المختص في الشؤون الإسرائيلية، حسين الديك لمنصة "المشهد" بأن " رفض إقامة دولة فلسطينية وحل سياسي، لا يقتصر على الأحزاب اليمينية المتطرفة، بل تجاوزها إلى تحول أوسع في المجتمع الإسرائيلي، جعل المواقف المتشددة أقرب إلى الإجماع الوطني، مع تصاعد الخطاب الديني والقومي.
ويرى أن هذه العوامل أعادت تشكيل الرأي العام الإسرائيلي، ودفعت معظم القوى السياسية إلى سباق محموم في إظهار التطرف تجاه الفلسطينيين، بدلاً من التنافس على تقديم مبادرات سياسية جادة لحل الصراع.
ويعتقد الديك أن "هذا التحول في المجتمع الإسرائيلي لم يعد حكراً على اليمين، بل طال المعارضة التي تطرح نفسها بديلاً لنتانياهو، لكنها تبقى داخل السقف الأيديولوجي نفسه، وفي هذا السياق، يصبح انتظار الانتخابات الإسرائيلية، أياً كان موعدها أو نتائجها، أشبه بانتظار معجزة سياسية لا تؤيدها الوقائع".
وقال "فحتى لو خسر نتانياهو، وحتى لو جاء ائتلاف جديد برئاسة بينيت أو لبيد، فإن السياسات تجاه غزة والضفة لن تتغير في جوهرها، وسيبقى الهدف الأوحد منع قيام دولة فلسطينية مستقلة، مع استمرار التوسع الاستيطاني والضم الفعلي، فالتطرف هو المقياس الوحيد للتنافس السياسي، ليدفع الفلسطينيون فاتورة هذا التنافس".






