في الوقت الذي يواجه فيه "حزب الله" حرباً عسكرية مع إسرائيل، إلى جانب ضغوط سياسية وإعلامية داخلية متصاعدة تدفعه للاندماج في المؤسسات اللبنانية الرسمية والالتزام بقرارات الدولة بشأن الحرب والسلم، تكشف مصادر استخباراتية وأخرى استقصائية مطلعة عن جهود يقودها الحزب في غرب إفريقيا لبناء نظام مالي بالغ التعقيد يتيح له الوصول إلى موارد اقتصادية جديدة.
وعلى الرغم من تركيز بعض خبراء الاستخبارات على أميركا اللاتينية باعتبارها خزاناً اقتصادياً وسياسياً لـ"حزب الله"، إلا أن التقارير الإستراتيجية والدراسات الأمنية الصادرة عن مؤسسات بحثية مثل "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD)، تسلط الضوء على غرب إفريقيا، وتعتبرها منطقة أكثر خطورة وتعقيداً مقارنة بأميركا اللاتينية التي تخضع حالياً لسيطرة أحزاب يمينية وهيمنة أميركية.
الخزان المالي والاستراتيجي لـ"حزب الله"
تستند هذه التقييمات الحديثة بحسب تقرير نشره موقع "ديلي بيروت"، إلى مصادر تقول إن الشبكات المالية الرسمية للحزب تتمركز في القارة الإفريقية، وتحديداً في ساحل العاج والسنغال وغامبيا وغينيا وسيراليون؛ إذ تمثل هذه المناطق الامتداد التاريخي والجغرافي للمغتربين اللبنانيين على مدى عقود طويلة.
وتتقاطع دراسات "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" مع أبحاث مؤسسات دولية أخرى، لتشير إلى أن الجالية اللبنانية - وخصوصا المكون الشيعي فيها - تسيطر على قطاعات اقتصادية حيوية.
فبحسب ما تتناقله الأخبار، في ساحل العاج وحدها، يمتلك رجال أعمال لبنانيون (أو من أصول لبنانية) حصصاً كبيرة في قطاعات التوزيع والتعبئة والتغليف والعقارات وأنشطة التجارة العامة.
وتستغل شريحة محددة من رجال الأعمال اللبنانيين البيئات الاقتصادية الإفريقية سهلة الاختراق، الناجمة عن تفشي الفساد في مفاصل الدولة العميقة، وغياب الالتزام بمبادئ الحوكمة التجارية، وضعف التحول الرقمي، لإنشاء شبكات من الشركات الواجهة، وجمع تبرعات دينية واجتماعية يتم توجيهها لاحقاً إلى لبنان عبر قنوات غير رسمية وعمليات تحويل الأموال.
مستوى متقدم من عمليات "غسل الأموال"
غير أن نظام "غسل الأموال" الذي يستفيد منه "حزب الله" أكثر تعقيداً بكثير من هذا الطرح الذي بات مكشوفاً للكثيرين؛ إذ تشير تقارير استراتيجية إلى أن "خلايا التبرع التقليدية قد بلغت مستوىً معقداً ضمن نظام غسل الأموال التجاري"، وهو نظام يشمل المتاجرة بالسلع الأساسية والمواد الغذائية، واستيراد السيارات المستعملة والمعادن النفيسة، وحتى المعادن النادرة وذات القيمة العالية، وفقا لتقارير غربية كثيرة منتشرة.
وفي ظل هذا السياق الإستراتيجي والاستخباراتي الحساس، وثّقت وزارة الخزانة الأميركية ومجموعة العمل المالي (FATF) أسماء شخصيات بارزة وشبكات تجارية لعبت دوراً محورياً في تمويل الحزب أو الالتفاف على العقوبات؛ وتتمثل هذه الجهات في عائلات وشخصيات ترتبط بشبكات تجارية واسعة النطاق في كل من غامبيا، والكونغو، وسيراليون.
وبحسب التقارير الأميركية، تستغل هذه العائلات والشخصيات نفوذها السياسي ومناصبها الدبلوماسية الفخرية للتعتيم على مسارات الأموال وتهريبها.
وعلى الرغم من نجاح العقوبات الدولية والأميركية في تضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني المباشر وبالتالي قطع أهم شريان مالي للحزب إلا أنه لا تزال هناك فجوة أمنية وتنظيمية واضحة فيما يتعلق بالأنشطة المالية لشبكات وخلايا "حزب الله" في إفريقيا.
في هذا السياق، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية حزمة عقوبات استهدفت شخصيات تجارية بارزة تتخذ من جمهورية غينيا مقراً لها.
وشملت جهود الخزانة الأميركية إدراج شبكات تجارية ومالية عابرة للحدود تربط بين الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وغرب إفريقيا.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن حرباً مالية بالغة التعقيد تدور حاليا بين الخلايا المتناثرة لـ"حزب الله" في غرب إفريقيا والنظام الرقابي المالي الأميركي والدولي.
ورغم نجاح هذا النظام في تشديد القيود وتقليص هوامش الحركة ومنع التدفقات المالية إلى بيروت، إلا أن الحزب بحسب ما يصدر من تحليلات وتقييمات، أظهر مرونة في إيجاد بدائل مؤقتة وجزئية تتيح له الحصول على قدر معين من "الأكسجين المالي".
وبين الرقابة الصارمة والتدقيق الحذر، لا يبدو أن النزاع سينتهي في وقت قريب.



