جددت وزارة الشؤون الخارجية المغربية موقفها الرافض للهجمات التي شهدتها مالي يوم السبت الماضي، وأكدت تمسك الرباط بثوابت دبلوماسية تقوم على رفض الإرهاب والانفصال، والتضامن مع الدول الشريكة، واحترام سيادتها ووحدتها الترابية.
ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد التوترات في منطقة الساحل، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع حسابات سياسية وإعلامية متشابكة، ما جعل التطورات الميدانية تتجاوز بعدها العسكري، لتصبح حسب المتابعين، جزءًا من تنافس أوسع على مستوى الخطاب والتأثير.
هجمات إرهابية وإعلامية
ولم يقتصر التفاعل مع الأحداث في مالي على المستجدات الأمنية وتطور الهجمات، بل امتد إلى ساحة إعلامية موازية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، إذ شهدت محاولات لإعادة توجيه الروايات المرتبطة بالوضع، عبر طرح قراءات ضد استقرار الدولة ووحدتها.
وبرز الموقف المغربي باعتباره مرتكزًا على مقاربة ثابتة، حيث ركزت الرباط عبر بلاغ وزارة الخارجية، على إدانة الأعمال المسلحة بشكل واضح، والتأكيد على دعمها لمؤسسات الدولة المالية، مع التشديد على أهمية الحفاظ على استقرار البلاد.
ويرى المختص في قضايا الساحل محمد سالم عبد الفتاح أن هجمات مالي كشفت عن تحولات بنيوية عميقة في طبيعة الصراعات داخل بلدان الساحل، حيث تواجه الدولة الوطنية تحديات كبيرة تتعلق بقدرتها على بسط سلطتها على كامل ترابها الاقليمي، مقابل صعود ما يمكن تسميته بـ"الفضاءات الرمادية"، التي تتقاطع فيها شبكات الإرهاب مع الجريمة المنظمة والحركات الانفصالية والمدعومة من طرف "جهات خارجية" ميدانيا وإعلاميا.
ويضيف محمد سالم في تصريحه لمنصة "المشهد" أن "الطابع العابر للحدود لهذه التهديدات ضد سيادة الدول، يجعل احتواءها صعبًا داخل إطار وطني ضيق، ما يفرض مقاربات إقليمية ودولية جديدة، تقوم على فهم الترابط بين الأمن والتنمية، وبين الاستقرار السياسي ومكافحة التطرف والتدخل الخارجي".
ويرى أن التوجه الرسمي المغربي يعكس استمرارية في السياسة الخارجية، التي تقوم على دعم الشركاء في مواجهة التحديات الأمنية، و"الانخراط في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، مع الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".
ويشير إلى تنامي حضور خطاب إعلامي يسعى إلى إبراز مالي في صورة دولة "فاشلة تعيش حالة هشاشة"، مع طرح تساؤلات حول خياراتها السياسية وتحالفاتها، في ظل تداول محتوى واسع عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام غير الرسمية.
العلاقة بقضية الصحراء المغربية
ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية عبد الفتاح الفاتحي أن "استهداف مؤسسات سيادة دولة مالي إعلاميًا، وعسكريًا عبر هجمات تنظيم القاعدة الإرهابي، وفي المنطقة الأكثر أمنًا كمنطقة كاتي معقل إقامة قادة المجلس العسكري الحاكم، هي دليل على أن سقف المطالب لا يقل عن إسقاط النظام في باماكو، وتعويضه بنظام موالٍ لأطراف خارجية، ليس من مصلحتها استقرار دولة مالي".
ويربط خبراء بين التفاعل الإعلامي حول هجمات مالي، والتطورات السياسية في المنطقة، خصوصًا مع التقارب بين المغرب ومالي في الفترة الأخيرة، والذي تجسد في مواقف باماكو الداعمة للوحدة الترابية للمملكة، ومبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.
ويؤكد هذا الربط رئيس مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الإستراتيجية الفاتحي قائلًا في تصريحه لمنصة "لمشهد" إن "ما فتح شهية الأطراف الإقليمية للإقدام على هذه الهجمات، هو انخراط مالي في الرؤية المغربية غداة تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي وسحب اعترافها بالجمهورية الوهمية للبوليساريو، وانتظامها في محادثات التعاون العسكري والاقتصادي مع المغرب عبر المبادرة الأطلسية، لايجاد منفذ بحري على المحيط".
ويعتبر أن هذا التقارب أعاد رسم بعض ملامح التوازنات الإقليمية، ما يفسر تصاعد الاهتمام الإعلامي بالوضع في مالي، وتكثيف النقاشات حوله في سياق أوسع يتجاوز الإطار المحلي.
كما يشير إلى محاولات لإجراء مقارنات بين الوضع في شمال مالي مع الأزواد وقضية الصحراء المغربية، غير أن هذه المقاربات، وفق تقديره، لا تستند إلى عناصر موضوعية، نظرا لاختلاف السياقات القانونية والسياسية بين الملفين.
تحالف الإهاب والانفصال
ومن جانبه، يعتبر المختص في قضايا الساحل محمد سالم عبد الفتاح أنه مع هجمات مالي في هذا السياق الإقليمي المضطرب يبرز النموذج المغربي، حيث تولي المملكة أهمية بالغة للمقاربات الاستباقية، والتي تقوم على الربط بين الأمن والتنمية، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، والانخراط في شراكات إفريقية متعددة الأبعاد.
كما يكتسي التحذير من مخاطر التداخل بين الأجندات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية أهمية خاصّة حسب محمد سالم، بالنظر إلى ما يحمله هذا النموذج من تهديد مباشر لوحدة الدول الترابية ولاستقرارها الداخلي.
وتحافظ الرباط حسب المختص، على علاقات متوازنة مع مختلف الفاعلين الرسميين في منطقة الساحل، عبر تنشيط القنوات الدبلوماسية وتقديم الدعم العسكري والتنسيق، وهو ما يجعل من التجربة المغربية في تدبير هذه التحديات في المنطقة "مرجعًا مهمًا في التفكير بحلول مستدامة لأزمات الساحل".
"جبهة تحرير أزواد" الانفصالية
وتأتي هجمات عناصر تنظيم "القاعدة" الإرهابي بالتحالف مع "جبهة تحرير أزواد" الانفصالية، في وقت يواصل فيه المغرب تأكيد التزامه بدعم الاستقرار في إفريقيا، وتعزيز التعاون مع الدول الشريكة في مواجهة التحديات الأمنية حسب وزارة الخارجية، وفي سياق إقليمي يتسم بتشابك الأبعاد السياسية والإعلامية والأمنية.
ويؤكد خبير العلاقات الدولية عبد الفتاح الفاتحي أن "هناك إصرارًا عند أطراف إقليمية ومن ضمنها الجزائر على زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتمرر هذه الأطراف في نظره، رسائلها عبر قنوات غير مباشرة لضرب النظام في مالي، باعتباره يميل أكثر لجهة المملكة".
ويضيف الخبير "يبدو اليوم أن مستقبل النظام العسكري المالي على محك نفوذ تحالف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم "القاعدة" الإرهابي وجبهة "تحرير الأزواد" المدعومة من الجزائر، المساند الفعلي للانفصال في المنطقة".