كشف مسؤولون عسكريون إسرائيليون في جلسات مغلقة، عن تصاعد مخاطر المجاعة في قطاع غزة، محذرين من أنّ القطاع على مشارف كارثة غذائية ما لم تُستأنف شحنات المساعدات خلال أسابيع.
وجاءت هذه التقديرات عبر 3 مصادر دفاعية مطلعة، في وقت يشتد فيه الحصار الإسرائيلي المفروض منذ شهور.
وعلى الرغم من أنّ الخطاب الرسمي الإسرائيلي قلّل طوال الفترة الماضية من تأثير الحصار على حياة السكان المدنيين، حذرت الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية من تداعيات كارثية، مشيرة إلى أنّ القطاع يقترب من مجاعة واسعة النطاق.
وفي الأيام الأخيرة، رفع ضباط عسكريون معنيون بمتابعة الأوضاع الإنسانية في غزة من سقف تحذيراتهم لقادتهم السياسيين والعسكريين، مؤكدين أنّ عددًا كبيرًا من المناطق سيواجه نقصًا حادًا في الغذاء الضروري لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة، بحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز".
وأكد الضباط أنّ التعجيل بعودة قنوات إيصال المساعدات أمر ملح، نظرًا لطول المدة المطلوبة لزيادة وتيرة الإمدادات إلى مستويات كافية.
تعقيدات الحرب والمأزق الإنساني
وتتزامن هذه التحذيرات مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، عن نية حكومته تصعيد العمليات العسكرية في غزة لاستكمال القضاء على حركة "حماس" وإعادة الأسرى الإسرائيليين.
وقال نتانياهو يوم الثلاثاء: "سنعود للقتال بكامل قوتنا لإنجاز المهمة"، في خطاب يعكس تعنّتًا إزاء الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار.
وأظهر تحليل للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية فجوة بين الموقف العلني ومداولات القيادات العسكرية الداخلية، إذ تبين أنّ بعض المسؤولين باتوا يتبنون قراءات مشابهة لتلك التي تصدر عن منظمات الإغاثة.
وفي هذا السياق، أورد تقرير للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، أنّ المجاعة في غزة وشيكة، محذرًا من أنّ أيّ تصعيد عسكري إضافي سيعني حرمان غالبية سكان القطاع من الغذاء والماء والدواء والمسكن.
ورفض الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع التعليق على تقديرات الضباط العسكريين، فيما اكتفى المتحدث باسم وزارة الخارجية أورين مارمورشتاين، بتأكيد أنّ إسرائيل على اتصال مستمر مع الوكالات المعنية وتتابع الوضع عن كثب.
جدل حول قيود المساعدات
شدّدت إسرائيل من قيودها على دخول المساعدات إلى غزة منذ مارس، مبررة ذلك بالرغبة في منع "حماس" من الاستفادة من الإمدادات.
ويرى محللون أنّ هذه السياسة تسببت في تفاقم معاناة المدنيين، وهو ما أكده مسؤول دفاعي إسرائيلي قال إنّ الضغط الاقتصادي قد يدفع "حماس" للإفراج عن مزيد من الأسرى.
وفي مجلس الأمن الدولي، وجهت الأمم المتحدة انتقادات حادة لإسرائيل.
وقال مسؤول الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة توم فليتشر، "إسرائيل تفرض عمدًا ظروفًا غير إنسانية على المدنيين".
ودعا المجلس إلى التحرك لمنع الإبادة وضمان احترام القانون الإنساني الدولي.
وفي الوقت الذي تدافع فيه إسرائيل عن إجراءاتها، قوبلت خططها المقترحة لتوزيع المساعدات بالتعاون مع شركات أمنية خاصة وبإشراف الجيش، برفض واسع من وكالات الإغاثة الدولية، بينها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ورأت هذه الوكالات أنّ الخطة ستزيد من المخاطر الأمنية على المدنيين وتقلل من فرص حصول المحتاجين على الغذاء.
وأوضحت الأمم المتحدة أنّ الخطة الجديدة ستقلص عدد مراكز التوزيع من 400 نقطة إلى بضع نقاط كبيرة، ما يعني إرغام السكان على قطع مسافات أطول وخوض طرق محفوفة بالمخاطر.
اتهامات بانتهاك القانون الدولي
وفي ظل هذه المعطيات، صعّد خبراء القانون الدولي من انتقاداتهم للسياسات الإسرائيلية.
وقالت المديرة المشاركة لمعهد أكسفورد للأخلاق والنزاعات المسلحة جانينا ديل، إنّ "فرض حصار يؤدي إلى تجويع السكان المدنيين هو انتهاك صريح للقانون الدولي".
وأكدت أنّ استخدام الحصار لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية يُعد جريمة حرب.
وفي غزة، تعكس شهادات السكان المأساة الإنسانية المتفاقمة، حيث أفاد المسؤول الأممي المتقاعد خليل الحلبي، بأنّ وضعه الصحي تدهور بسبب قلة الغذاء، مشيرًا إلى أنّ عائلته تعاني من نقص حاد في المواد الأساسية، بما فيها حليب الأطفال.
وفي ضوء هذا المشهد القاتم، بات واضحًا أنّ التحذيرات الداخلية الإسرائيلية من تفاقم الأزمة الغذائية، تعزز مخاوف المجتمع الدولي من وقوع كارثة إنسانية شاملة في غزة، مع استمرار الجمود السياسي وتزايد التصعيد العسكري.