في اقتصادٍ مضطرب تحاصره تحديات التقلبات النقدية ونزيف العملة، لم يعد الذهب في العراق مجرد ملاذ آمن للمدخرين أو وعاءً تقليديًا للاستثمار، بل تحوّل إلى إحدى البوابات الخلفية لتسريب الأموال خارج الرقابة الرسمية.
ومع تصاعد التحذيرات من استخدام الذهب كوسيلة لغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، أعلن البنك المركزي العراقي عن تجهيز حزمة من الإجراءات الرقابية تستهدف تنظيم حركة الأموال في قطاعَي العقارات والذهب على وجه الخصوص.
هذا التحرك لا يُقرأ فقط كاستجابة تقنية لضبط الأسواق، بل كجزء من معركة أوسع لحماية الاقتصاد من اقتصاد الظل، وفرض سيادة الدولة على تدفقات نقدية باتت تتفلّت عبر قنوات موازية.
وهذه التطورات تفرض بعض الأسئلة الملحة: هل تنجح إجراءات البنك المركزي في إعادة الذهب إلى موقعه الطبيعي كأداة استقرار؟ أم أن السوق سيقاوم محاولات التنظيم ويبتكر طرقًا جديدة للتهرب؟ هذا ما يحاول هذا التقرير تحليله.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء العراقية "واع"، قرر البنك المركزي العراقي إلزام تنفيذ عمليات بيع وشراء العقارات عبر القنوات المصرفية الرسمية، وهو إجراء من شأنه تتبّع حركة الأموال ورفع مستوى الشفافية في سوق يشهد تاريخيًا نشاطًا نقديًا خارج الأطر البنكية.
أما في قطاع الذهب، فقد فرض البنك المركزي العراقي إجراءات رقابية أكثر صرامة على التحويلات المالية المرتبطة به، في ظل ما اعتبره نافذة محتملة لاستغلال السوق في تهريب الأموال أو غسلها، لا سيما مع ارتفاع قيمة التعاملات في هذا القطاع وتحركها خارج النطاق المصرفي.
تبييض الأموال في الذهب
وهنا يشرح محلل سوق الذهب طاهر المرسي، كيفية استغلال الذهب في عمليات غسيل وتهريب الأموال بالقول إن الارتفاع الكبير في سعر الذهب عالميًا قرب 110 دولارات للغرام جعله وسيلة للتهريب في بعض الدول التي تشهد تراجعًا في عملاتها المحلية مقابل الدولار، حيث يتم شراء الذهب بكميات كبيرة وتهريبه للخارج وبيعه في بعض الأسواق، ثم دخول سيولته النقدية الدولارية للأسواق المحلية مرة أخرى. وهنا يتم تصدير ثروات البلاد من الذهب بطريقة غير شرعية.
ويضيف، خلال حديثٍ مع منصة "المشهد": "في سوق مثل العراق، فإن العديد من المتعاملين في السوق السوداء يستخدمون الذهب كوسيلة لإخفاء مصادر أموالهم غير المشروعة، سواء كانت ناتجة عن تجارة غير شرعية، أو الرشوة، أو عمليات فساد أخرى، ويتم تحويل هذه الأموال إلى ذهب كطريقة لإعادة تدويرها ضمن الاقتصاد الرسمي، وهو نمط مشابه لما شهدته سوق العقارات في السنوات الماضية بالعراق".
وأشار إلى أن استيراد الذهب عبر المنافذ الجمركية والمطارات، حيث يخضع للفحص من قبل هيئة الجمارك والبنك المركزي لضمان مطابقته للمواصفات القياسية، يتم من دول مثل تركيا، وسويسرا، ومصر، وكندا، ويتم استيراده من قبل تجار وشركات معتمدة.
وهنا، السوق يعرف مصدر دخول الذهب ومصدر خروج الأموال، لكن بالتهريب تكون جميع هذه الحلقات غير معلومة المصدر.
شرعنة أموال التهريب
وشدد الخبير الاقتصادي ومحلل سوق الذهب على أن عمليات تهريب الذهب ليست قاصرة على سوق بعينه، وتاريخيًا هناك مئات من الحالات التي تم ضبطها أثناء التهريب، حيث يتم استغلال أموال ذات مصادر غير معلومة في عمليات شراء ذهب وتهريبه إلى الداخل، بالإضافة إلى عمليات إعادة البيع عبر شركات وكيانات داخل الأسواق المحلية من أجل تبييض هذه الأموال وشرعنتها.
قال الخبير الاقتصادي مصطفى أبو زيد إن قرار البنك المركزي العراقي بتشديد الرقابة على التحويلات المالية المرتبطة بالذهب يأتي في إطار سعي السلطات لضبط السوق ومواجهة أية ممارسات غير مشروعة قد تنطوي على تهريب أو غسيل أموال.
وأشار في حديثه مع "المشهد" إلى أن حجم التداول الكبير في السوق، وتداخل المصالح بين أطراف متعددة، قد يجعل من الذهب بوابة سهلة للنفاذ من الرقابة المالية، خصوصًا مع صعوبة تتبع عمليات البيع والشراء في بعض الأحيان، وأن الإجراءات الجديدة من البنك المركزي قد تؤثر على سوق الذهب على المدى القصير في حال نجاح ضبط الحدود، من حيث تباطؤ حركة التداول وارتفاع أسعار بعض المشغولات نتيجة زيادة القيود الرقابية.
وأوضح أن خطوات البنك المركزي العراقي على المدى الطويل تُساهم في تعزيز الشفافية وبناء الثقة، سواء لدى المستثمرين المحليين أو الإقليميين، وأن توسيع نطاق الرقابة ليشمل عمليات الاستيراد والتصدير المرتبطة بالذهب، وكذلك فحص سلاسل الإمداد التي تمر عبر المنافذ الحدودية والأسواق الحرة، يضمن التكامل بين السياسات المالية والرقابية.
وتابع إلى أن "اتخاذ قرارات رقابية صارمة غالبًا ما يُنظر إليه كمؤشر على التوجه نحو تنظيم السوق لا خنقه، وهو ما يمكن أن يشجع الاستثمارات الرسمية ويُقلّل الاعتماد على السوق غير الرسمي".
غطاء التهريب
يرى الخبير الاقتصادي أن القرار يُشير إلى وجود مخاوف حقيقية من استغلال سوق الذهب لتمويل أنشطة مشبوهة أو تهريب العملة خارج البلاد، موضحًا أن الأسواق غير الرسمية لطالما كانت ثغرة محتملة أمام الأنشطة غير القانونية.
وقال إن "تشديد الرقابة من شأنه أن يُقلّص فرص استخدام الذهب كغطاء لعمليات تهريب أو غسيل أموال، خصوصا في بيئة إقليمية مضطربة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التحديات الاقتصادية"، ولفت إلى أن مثل هذه الخطوات تُعزز قدرة الدولة على تفكيك الشبكات غير الشرعية التي تعتمد على الذهب كوسيلة تمويل أو تخزين للقيمة.
تقليص بطاقات الدفع الخارجي
وفي السياق ذاته، كشف البنك المركزي العراقي عن نجاحه في تقليص استغلال البطاقات الإلكترونية في السحب الخارجي، وهي وسيلة كانت تُستخدم للالتفاف على قيود سعر الصرف وتحريك الأموال بطرق غير مشروعة. وتم ذلك عبر تحديث الضوابط وتعديل سقوف السحب لتقليل جدواها في مثل هذه العمليات.
وأوضح حسين علي، معاون مدير مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك المركزي، أن هذه التحركات تأتي استنادًا إلى تقييم شامل لمنظومة مكافحة غسل الأموال، جرى خلاله رصد أبرز نقاط الضعف، وتحديد الجرائم الأصلية التي تُستغل لتنفيذ مثل هذه العمليات.
تُعد هذه الخطوات امتدادًا لمحاولات مستمرة من البنك المركزي العراقي لإعادة ضبط التوازن في الأسواق المالية، وفرض رقابة مشددة على مسارات الأموال، في بيئة اقتصادية لا تزال تواجه تحديات تتعلق بضعف الثقة في النظام المصرفي، وانتشار الاقتصاد النقدي خارج الأطر الرسمية.