بعد أن سيطر يحيى السنوار، بشكل كامل على "حماس" خلال الصيف، يقول مسؤولون إنه أرسل توجيهًا إلى أحد كبار العملاء أنه "حان الوقت لإحياء التفجيرات الانتحارية".
وبعد بضعة أيام، دخل فلسطيني يرتدي نظارة طبية تل أبيب ومعه حقيبة ظهر زرقاء محملة بالمتفجرات.
وعلى الرغم من أن القنبلة انفجرت قبل أن يصل الرجل إلى هدفه، مما أدّى إلى مقتله فقط، إلا أن الهجوم أرسل رسالة لا لبس فيها.
ولطالما تبنت الحركة التي صنفتها الولايات المتحدة منظمة "إرهابية"، التشدد لكن "حماس" أوقفت إلى حد كبير الهجمات الانتحارية قبل عقدين من الزمن، وفق تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال".
وعلى الرغم من الشكوك داخل "حماس"، لم يكن أحد على استعداد للتحدث علنًا ضد هذه الممارسة بمجرد أن يكون السنوار على رأس الحركة، وفقًا لمسؤولي مخابرات عرب، قالوا إنهم يتواصلون بانتظام مع قادة "حماس"، بمن فيهم السنوار.
وفي الأسبوع الماضي، أعلنت "حماس" مسؤوليتها عن هجومي إطلاق نار منفصلين في إسرائيل - أحدهما في تل أبيب أسفر عن مقتل 7 أشخاص، والثاني في بئر السبع الذي أسفر عن مقتل جندية إسرائيلية.
وسيطر السنوار، الذي كان الزعيم الأعلى لـ"حماس" في غزة لأعوام، على المكتب السياسي في أغسطس بعد أن قتلت إسرائيل الزعيم السابق إسماعيل هنية في يوليو.
وكان صعود السنوار تتويجًا لصراع داخلي دام أعوامًا حول كيفية تحقيق التوازن بين رؤيتين متنافستين للمجموعة.
وعلى الصعيد الداخلي، استخّف السنوار بمسؤولي "حماس" الأكثر شيوعًا الذين يعيشون حياة مريحة نسبيًا في قطر، حيث تتفاعل الحركة مع بقية العالم، كما يقول أشخاص مطلعون على الأمر.
وقال ماثيو ليفيت، وهو زميل بارز في معهد واشنطن للأبحاث، الذي ألّف كتابًا عن الحركة "في عهد السنوار، يمكن توقع أن تكون ‘حماس’ منظمة أصولية متشددة أكثر وضوحًا".
السنوار ضدّ "قادة الفنادق"
صعد السنوار وهنية إلى السلطة بعد تنحي زعيم "حماس" السابق خالد مشعل عن رئاسة المكتب السياسي للحركة في عام 2017.
وحلّ هنية محله كرئيس للمكتب السياسي وأصبح السنوار زعيمًا في غزة.
لاحقًا، تصاعدت التوترات بين السنوار وهنية، الذي بدأ يعتقد أن نظيره في غزة قضى الكثير من الوقت في السجون الإسرائيلية وكان يفشل في فهم أنّ "حماس" بحاجة إلى تصوير صورة لمنظمة سياسية شرعية للتعامل مع الدول العربية، وفقًا لمسؤولي المخابرات المشاركين في الوساطة بين الرجلين.
وبينما أشاد مسؤولو "حماس" في الدوحة علنًا بهجوم 7 أكتوبر، بدأوا في انتقاد السنوار سرّا ووصفوه بأنه "مصاب بجنون العظمة".
كان هنية ومشعل وآخرون يتحدثون عن السنوار "بعبارات لا لبس فيها"، كما قال إيهود يعاري، وهو كاتب عمود إسرائيلي مخضرم أجرى مقابلة مع السنوار في السجن ويقول إنه يحتفظ بقناة اتصال معه.
وأكد أنه "ارتكب خطأ، وأنه هاو سياسي".
وفي 31 يوليو، قتل هنية في انفجار قنبلة وضعت في غرفته في دار ضيافة تابعة للحرس الثوري الإيراني في إيران.
على مدى 6 أيام في أغسطس، نقل مسؤولو "حماس" في غزة والضفة الغربية وخارج الأراضي الفلسطينية رسائل تسعى للحصول على مرشح توافقي لخلافة هنية، وفقًا لمسؤولين عرب ومن "حماس" مطلعين على المداولات.
ماض غارق في العنف
في كتاب كتبه بعد أعوام، وصف السنوار كيف أن قوة من شرطة الأمن الداخلي أسسها تسمى "المجد"، اختطفت وأعدمت مخبرين لإسرائيل، وفي بعض الأحيان عرضت جثثهم علنًا كرادع.
وبعد أن اعتقلته إسرائيل عام 1988، اعترف بخنق فلسطينيّ مشتبه به في التعاون مع إسرائيل. ودفن آخر حيا، وفقًا لمحقق إسرائيلي.
وفي تسعينيات القرن العشرين، بدأ أعضاء "كتائب القسام" باستخدام التفجيرات الانتحارية لتعطيل اتفاقات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وتسارعت الهجمات خلال الانتفاضة الثانية، أو الانتفاضة الفلسطينية، في أوائل عام 2000، مما أسفر عن مقتل مئات الإسرائيليين، وكانت مثيرة للجدل حتى بين أعضاء "حماس".
اعتقد الكثيرون في الحركة أن هذا التكتيك قلّل من الدعم الدولي للقضية الفلسطينية وأن قتل المدنيين الإسرائيليين تسبب في فقدان الفلسطينيين للأرضية الأخلاقية العالية التي جاءت مع الحياة تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.
ومع ذلك، جادل بعض أعضاء "حماس" بأن الانتحاريين كانوا يضحون بحياتهم من أجل قضية أكبر.
وكتب السنوار في كتابه أنّ المواطنين الإسرائيليين كانوا أهدافًا مشروعة، حيث خلقت الهجمات "ارتباكًا وشللاً وتأثيرًا نفسيًا على المجتمع الإسرائيلي".
العودة للتفجيرات الانتحارية
عندما أصبح السنوار الزعيم الأعلى لـ"حماس" في أغسطس، كان يحظى بدعم جناحها المسلح.
ويعكس صعوده وجهة نظر بين بعض الأعضاء مفادها أن الشخصيات الأكثر تصالحية داخل الحركة قد فشلت في تحقيق الكثير، وفقًا للأشخاص الذين يدرسون الحركة.
ويبدو أن خطة السنوار هي محاولة النجاة من الهجوم العسكري الإسرائيلي في غزة والخروج من مخبئه للمطالبة بقيادة القضية الفلسطينية، بهدف نهائي هو القضاء على إسرائيل.
وبعد فترة الحداد على هنية التي استمرت 40 يومًا، أرسل السنوار رسائل باسمه إلى "حزب الله" و"الحوثيين" في اليمن وغيرهم تفيد بأن "حماس" مستعدة لحرب استنزاف طويلة لكسر إرادة إسرائيل.
وعلى الرغم من أن البعض تكهّن مؤخرًا باحتمال مقتل السنوار، إلا أنّ المسؤولين العرب الذين يتوسطون في وقف إطلاق النار يقولون إنهم تلقوا رسائل باسمه في الأسبوع الماضي.
وقد يساعد انضباطه في استخدام الاتصالات البدائية في إبقائه على قيد الحياة، حسبما ذكرت الصحيفة.