أطلق نزلاء ومرضى المستشفى الجهوي بمحافظة قفصة، أكبر مدن الجنوب الغربي للبلاد، مؤخرا صيحة استغاثة من أجل توفير طبيب تخدير لإجراء العمليات الجراحية للحالات الاستعجالية والمسجلة على قائمة الانتظار.
وكان قد تعطل إجراء العمليات الجراحية بالمستشفى الجهوي الحسين بوزيان منذ أشهر نتيجة غياب طبيب تبنيج بعد عودة الطبيب الوحيد الى أرض وطنه الصين مع نهاية مدة عمله بالمستشفى.
وكانت قد تعاقدت إدارة المستشفى الحسين بوزيان مع طبيب تخدير خاص وذلك لتأمين عدد قليل من العمليات لفائدة مرضى المستشفى إلا أنه لم يكن كافيا لتلبية مئات العمليات التي يجريها المستشفى يوميا.
وتسبب غياب مختص التبنيج في تعكر في الوضع الصحي بالمشفى الذي يعتبر مقصدا للمرضى بـ 5 محافظات وهم قبلي وتوزر والقصرين وسيدي بوزيد ومحافظات أخرى.
وتعاني مستشفيات تونس من نقص فادح في الكوادر الطبية بسبب هجرة الأطباء من جميع الاختصاصات، خصوصا بالمستشفيات الجهوية وتلك التي تقع في المناطق الداخلية.
ونزيف هجرة الأطباء يضع النظام الصحي في تونس أمام تحديات كبيرة خاصة بالنسبة للقطاع الحكومي الذي أصبح يعاني من شيخوخة الموظفين الحاليين من الأطباء، مع ضعف الإقبال على مناصب الاعتماد المفتوحة أمام الخرّيجين.
نزيف حاد
بحسب آخر إحصائيات وزارة الصحة يزاول 15839 طبيبا مهنته داخل تونس، ويشغل 7079 منهم وظيفة في قطاع الصحة العمومية، فيما يقدر عدد الأطباء الخواص بـ 8760.
ويتخرّج من كليات الطب في تونس 1000 طبيب في كل عام، فيما يختار 900 طبيب الهجرة خارج البلاد للعمل، سنويا، وفق رئيس النقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص السابق سمير شطورو.
يرجع سمير شطورو أسباب الهجرة الحادة للأطباء في تونس إلى قلة فرص العمل في القطاع العام أو الخاص، وقلة الانتدابات بسبب الأزمة المادية التي تضرب البلاد.
ويكشف شطورو من خلال تصريح خاص لمنصة "المشهد"، أنّ الانتدابات في القطاع العام تشهد توقفا، إلا فيما يتعلّق بالتعويضات بالنسبة للمتقاعدين، مؤكّدا أنّ "عدد الأطباء المزاولين للمهنة لم يتغيّر إلى الآن حتى في وسط أزمة هجرة المختصين"، مشيرا إلى أنّ نقص الإطارات الطبية في تونس واقع يعود إلى سنوات طويلة.
ونقلا عن موقف الأطباء يبيّن المتحدّث الأسباب المباشرة التي تدفع بهم إلى ترك البلاد والبحث عن الفرص في الخارج، والتي تتلخّص في عدم تلاؤُم ساعات العمل الطويلة مع أجور الأطباء في المستشفيات العامة، وارتفاع كلفة فتح العيادات الخاصة، وتنامي البطالة في صفوف الخرّيجين الجدد بسبب نقص الانتدابات.
بالإضافة إلى حالة المستشفيات العمومية المتدنية وظروف العمل الصعبة والمعاناة مع نقص التجهيزات والأدوية.
يقول المتحدّث إنّ "المستشفيات الجهوية ليس لديها جاذبية كبيرة بالنسبة للأطباء الشباب والخريجين بسبب مشاكل هيكلة كبيرة متعلقة بالمستشفيات بالأساس، فيجد الطبيب نفسه في ظروف غير مشجعة على مواصلة العمل".
كما يرى شطورو أنّ "هناك أطباء يغلقون العيادات ويهاجرون بسبب قلة المرضى، الذين تناقص عددهم نتيجة الضائقة المالية التي يعاني منها المواطنون الذين أصبحوا يفضلون التوجه للمشفى العمومي على الخواص".
ويشير المتحدّث في تصريحه للمشهد إلى أنّ هناك جاذبية من البلدان الأوروبية وشمال القارة الأميركية والخليج للأطباء التونسيين خاصة بعد أزمة الكوفيد، "فقد تم حصد اهتمام أكبر بالقطاع الصحي في هذه البلدان وتم تحديد برامج دعم خاصة به وقد رأى الكثيرون في تونس الكفاءة والجودة لاستقطاب المهنيين من القطاع الصحي".
قطاع غير سليم
يؤكد مراقبون على أنّ تونس تفتقد إلى العدالة الصحية بسبب نقص الأطباء وخاصة الأطباء المختصين في المستشفيات.
وكانت قد أثارت حادثة وفاة جنين واستئصال رحم والدته العشرينية في مستشفى جهوي بمحافظة الكاف، شمال تونس، مطلع هذا العام، ملف غياب أطباء الاختصاص في المحافظات الداخلية للبلاد.
وأشعلت هذه الحادثة غير المعزولة سيلا من الانتقادات للنظام الصحي في تونس وللنقص في أطباء الاختصاص بالمحافظات الداخلية، وهو ما اعتبره كثيرون حرمانا للمواطنين من النفاذ إلى الحقّ في العلاج الآمن واللائق.
يحذر الكاتب العام للنقابة العامة للأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان للصحة العمومية عماد الخليفي من تداعيات ظاهرة هجرة الأطباء على النظام الصحي في تونس.
ويرى الخليفي أنّ تونس تسجّل ''أرقاما غير مسبوقة'' في هجرة أطباء الخط الأول من الشبان وخاصة النساء.
ويشدّد على أنّ قطاع الصحة يشهد نزيفا هاما في هجرة الأطباء بسبب عدم توفر ظروف ملائمة للعمل في المستشفيات العمومية وصيغ التشغيل الهش ونقص التجهيزات والمعدات الطبية ونقص الإطار الطبي.
ويوضّح الخليفي في تصريح خاص لمنصة المشهد، أنّ "نقص عدد الأطباء في تونس من شأنه أن يؤثر سلبا على الخدمات الصحية المقدمة داخل البلاد"، مشيرا إلى أنّ التخوّف يكمن في معدل الأعمار لدى الأطباء المزاولين الذي في ارتفاع، مشددا على أنه يجب معالجة الوضع قبل وصول أغلب الأطباء الى التقاعد.
وتظهر انعكاسات نزيف هجرة الأطباء بتونس أيضا من خلال تراجع السياحة الطبية. وتحتلّ تونس المركز 38 من بين 46 وجهة سياحة استشفائيّة طبيّة.
ويقول رئيس النقابة التونسية لأطباء القطاع الخاص السابق سمير شطور أنّ "تونس كانت وجهة العلاج الأولى للليبيين والجزائريين، فيما تم استقطابهم اليوم من تركيا والأردن بسبب خدماتهم الطبية المتطورة والملائمة".
ويشدد المتحدث على أنه يجب إيجاد حل لمسألة التغطية الاجتماعية لمعالجة مشكل التداوي عند الخواص، موضّحا أنّ التغطية الاجتماعية في تونس غير شاملة وهي جزئية ولا تُؤمّن جميع التونسيين وتهم أصحاب الوظائف فقط وبشكل غير كامل.
كما يدعو إلى التشجيع على تصدير الخدمات الصحية "الذي من شأنه أن يحدّ من هجرة الاطباء ومن شأنه ان يكون مصدر استثمار جيد للبلاد".