نجح الذكاء الاصطناعي في اقتحام مجالات عدة، ولم يكن هناك هائلا أمام تقنياته لكي يتوغل في مجال صناعة العطور، معتمدا على البرمجيات المتعلقة بالأعصاب البشرية.
تحفيز حاسة الشم بالذكاء الاصطناعي
تعتمد العطور على تحفيز مشاعر محددة لدى البشر، والآن أصبح الأمر أيسر على مجالات الذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تستثير مشاعر محددة، من خلال إضافة مواد محددة تُسمى بـ"مثيرات حاسة الشم"، والتي يمكن أن تخلق مشاعر إيجابية مثل الهدوء أو النشوى أو الرغبة في الاسترخاء.
وتلجأ تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى الاسترشاد بما يُسمى بـ "خرائط نشاط المخ"، ورصد التفاعلات البشرية التي تنتج عن الروائح المختلفة، وذلك لإنشاء قاعدة بيانات لـ"مثيرات حاسة الشم".
وقال الباحث في مؤسسة هندسة الفيزياء الحيوية والطب الحيوي في مدينة لشبونة البرتغالية، هوغو فيريرا في تصريحات يبرزها موقع صحيفة الغارديان البريطانية: "حاسة الشم مذهلة. من خلال حواس البصر والسمع، يمكنك أن تتخيل وجه شخص مُحبب أو توقع نغمة تحبذها أذنك، ولكن من الصعب تخيل رائحة محددة، على الرغم من أن استقبال بعض الروائح قد يخلق سيلا من المشاعر والذكريات".
نظام مُعقد
وأضاف فيريرا أن جهاز حاسة الشم يُعد معقدا للغاية، حيث أن مستقبلات الروائح ترسل مجموعة من الرسائل إلى المناطق المختلفة في المخ، والتي تتحكم في كل شيء بداية من الذاكرة، وصولا إلى مراكز الإحساس بالعطش أو التوتر.
وتابع: "إنه نظام متنوع ومعقد ويتصل بمستقبلات حسية مختلفة. يمكن القول إنه هناك نحو 400 مستقبل مختلف لجينات حاسة الشم، والتي يمكن أن تخلق مشاعر مختلفة، وصولا إلى المشاعر الإنسانية مثل الإحساس بالخوف أو الإحساس بالانتصار".
مدخل لابتكارات جديدة في عالم العطور
وفقا لهذه الدراسات والاستنتاجات الحديثة، بدأت بعض العلامات الكبرى في صناعة العطور في الاستثمار في الأبحاث الخاصة بـ "مثيرات حاسة الشم" وتطوير هذه التقنيات لخلق روائح مميزة.
واندمجت شركة "لوريال" مع شركة "إيموتيف" للدراسات المتعلقة بتكنولوجيا العصب البشري، وذلك لإصدار منتجها الجديد الذي يحمل اسم "إكسبيريينس".
وتهدف الشركات من خلال ذلك الاتجاه إلى جعل العملاء يشعرون بشعور جيد.
رسم المخ
خلال العام الجاري 2023، أنشأ متجر "يفيس سانت لورين" العالمي للعطور مركز اختبار يعتمد على استخدام سماعات للأذن، من خلالها يتم إجراء رسم مخ للعملاء، حين يتعرضون لروائح محددة، وذلك لاختيار عطورهم المفضلة.
وجاءت النتائج لتثبت أن 95% من الأفراد الذين استخدموا هذه السماعات اختاروا العطر الصحيح الذي تعرضوا له.
وقالت مؤسسة "بويغ" المختصة في عالم اقتصاديات الموضة والعطور إن الأمر احتاج إلى 45 مليون قراءة لمخ الرجال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 إلى 35 عاما، وذلك لإنتاج عطر "فانتوم" من شركة "باكو رابان".
وأضافت الشركة روائح اللافندر والليمون وفقا للنتائج التي استخلصتها من أبحاثها قبل إنتاج أحدث منتجاتها العطرية.
لحظة نادرة
في ظل تطور العديد من التقنيات التي تنغمس في صناعة العطور باستخدام الأساليب الحديثة والذكاء الاصطناعي، هناك من لا يزال يرى أن الأمر يُعد فنا يجب أن يُترك للعنصر البشري.
وتقول صانعة المحتوى المختصة بعالم العطور، كاتي بوكريك، لـ"الغارديان" إنها تفضل أن تصنع عطرها الخاص بنفسها.
وأضافت: "اتركوا السحر لمُبدعيه. لماذا نحتاج إلى حاسوب ليخبرنا ما تشعر به أنوفنا؟ فكرة الصدفة التي تجعلنا نتعرض لرائحة عطر جديدة هي لحظة نادرة يجب أن نجعلها متاحة لنا دائما".
بينما يرى الباحث هوغو فيريرا أن الأمر يُعد مفيدا لدراسة المستقبلات الحسية الخاصة بحاسة الشم، حيث قد يساهم ذلك في أغراض طبية وبحثية، بعيدا عن عالم العطور.