أثار اكتشاف ثغرتين أمنيتين خطيرتين في لغة البرمجة "PHP"، المستخدمة في تشغيل نحو 70% من مواقع الإنترنت عالمياً، حالة استنفار سيبراني واسعة، دفعت حكومات ومؤسسات في دول عدة إلى إيقاف مواقعها الإلكترونية مؤقتاً، وسط تحذيرات من موجة هجمات إلكترونية قد تستهدف ملايين المواقع المعرضة للاختراق.
وبحسب تقرير لصحيفة "غارديان" البريطانية، سارعت مؤسسات حكومية في بلجيكا وهولندا وفنلندا وفرنسا وألمانيا إلى تعطيل بعض خدماتها الإلكترونية احترازياً، في محاولة لمنع استغلال الثغرات قبل تثبيت التحديثات الأمنية اللازمة.
وتكمن خطورة الثغرتين في إمكانية استغلالهما للوصول إلى أنظمة الخوادم عن بُعد من دون الحاجة إلى بيانات تسجيل الدخول، ما قد يمنح المهاجمين القدرة على سرقة معلومات حساسة، أو التحكم بالخوادم، أو تعطيل المواقع الإلكترونية.
وتستخدم لغة "PHP" في تشغيل منصات واسعة الانتشار، أبرزها "ووردبريس" و"ويكيبيديا"، ما يضاعف المخاوف بشأن حجم التأثير المحتمل على البنية التحتية للإنترنت.
مواقع حكومية تتوقف
شهدت دول أوروبية اضطرابات في خدماتها الإلكترونية، إذ توقفت مواقع تابعة لمجالس مدن إدنبرة وبريستول وأكسفورد في بريطانيا، إلى جانب مواقع حكومية محلية في فرنسا، بينها موقع مديرية شرطة باريس.
وفي هولندا، شملت الإجراءات الاحترازية مواقع خدمات الهوية الرقمية الوطنية والبرلمان والمركز الوطني للأمن السيبراني، فيما أوقفت السلطات الفنلندية والألمانية عدداً من الخدمات الحكومية.
وامتدت الإجراءات إلى مؤسسة "ويكيميديا"، المشغلة لموسوعة ويكيبيديا، التي أعلنت تعطيل عدد من أنظمتها مؤقتاً لحين معالجة الثغرات الأمنية.
كما تأثرت بعض الأنظمة التابعة لمديرية الإشارات الأسترالية، وسط تحذيرات من احتمال تعرض مواقع حكومية أخرى لاضطرابات مماثلة.
وفي مواجهة التهديد، دعت وكالة الأمن القومي الأميركية المؤسسات التي تستخدم لغة "PHP" إلى إيقاف الأنظمة التي يتعذر تحديثها فوراً، محذرة من أن الثغرات قد تتيح للمهاجمين الوصول مباشرة إلى ملفات الخوادم أو قواعد بياناتها.
وأصدر المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني تحذيراً مماثلاً، طالب فيه المؤسسات بتثبيت الإصلاحات الأمنية ومراقبة أنظمتها بحثاً عن أي أنشطة مشبوهة أو أبواب خلفية قد يكون المهاجمون زرعوها.
سباق مع القراصنة
أصدرت الجهات المطورة للغة "PHP" تحديثات أمنية عاجلة في 21 أكتوبر، لمعالجة الثغرتين المصنفتين بدرجة خطورة حرجة تبلغ 9.2، إلا أن خبراء حذروا من أن ملايين المواقع قد تظل معرضة للخطر بسبب التأخر في تثبيت الإصلاحات.
وقال خبير الأمن السيبراني في جامعة ساري البريطانية، آلان وودوارد، إن الانتشار الواسع للغة البرمجة يجعل الثغرات مثيرة للقلق، خصوصاً أن العديد من المواقع لا تخضع للصيانة والتحديث المنتظمين.
وحذر من أن المواقع التي تتأخر في معالجة الثغرات قد تواجه هجمات إلكترونية متواصلة لأسابيع أو أشهر، في حين يسابق القراصنة فرق الحماية لاستغلال الأنظمة الضعيفة قبل تحديثها.
وكشف رئيس الأمن في شركة "أمازون"، سي جيه موسى، أن الشركة رصدت محاولة لاستغلال الثغرات في 17 أكتوبر، أي قبل 4 أيام من الكشف العلني عنها، بعدما استهدف مهاجم مجهول أحد أنظمة المراقبة والخداع الأمني التابعة للشركة.
وأثار الحادث تساؤلات بشأن كيفية معرفة المهاجم بالثغرات قبل الإعلان عنها، بينما حذر خبراء من احتمال استغلالها بواسطة عصابات الجريمة الإلكترونية أو جهات مرتبطة بدول لشن هجمات واسعة النطاق.
وأشار خبير البنية التحتية للإنترنت ميخال ووزنياك إلى أن الثغرات قد تسمح للمهاجمين بالسيطرة على خوادم ضعيفة واستخدامها لتعدين العملات المشفرة أو تنفيذ هجمات إلكترونية تستهدف أنظمة أخرى.
الذكاء الاصطناعي يتدخل
وفي تطور لافت، لعب الذكاء الاصطناعي دوراً رئيسياً في اكتشاف الثغرات، إذ أعلنت شركة "OpenAI" مشاركتها في قيادة تحالف بحثي عمل على الكشف عنها ومعالجتها، بالتعاون مع شركات متخصصة في الأمن السيبراني.
وكشفت شركة "كاليف" أنها اكتشفت الثغرات بمساعدة نموذج لغوي كبير في 1 أغسطس الماضي، قبل أن تبدأ التنسيق لإصلاحها.
كما أعلنت شركة "ويز" التابعة لـ"ألفابت" اكتشاف الثغرات بصورة مستقلة، بمساعدة أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة، بينها "Gemini 4 Argon" من غوغل و"GPT-5.6 Sol" من "OpenAI".
وأشارت الشركة إلى أن نقاط الضعف ظلت كامنة داخل الشيفرة البرمجية للغة "PHP" لأكثر من 10 سنوات، دون اكتشافها، رغم خطورتها المحتملة.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الثغرات أثار مخاوف جديدة، إذ يحذر الخبراء من قدرة الأدوات نفسها على مساعدة القراصنة في تحليل التحديثات الأمنية واكتشاف طرق لاستغلال الأنظمة التي لم تُحدّث بعد.
ويرى مختصون أن الأزمة تكشف هشاشة جوانب من البنية التحتية الرقمية العالمية، خصوصاً مع اعتماد ملايين المواقع على برمجيات قديمة أو أنظمة لا تخضع لصيانة منتظمة، ما يجعل سرعة تثبيت التحديثات عاملاً حاسماً في منع تحول الثغرات إلى موجة اختراقات واسعة.



