hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 "هياكل عظمية تتنفّس في غزة".. كيف يؤدي الجوع إلى الوفاة؟

الأطفال فهم أكثر عرضة للخطر بسبب المجاعة في غزة (رويترز)
الأطفال فهم أكثر عرضة للخطر بسبب المجاعة في غزة (رويترز)
verticalLine
fontSize

بصورٍ ومشاهد كانت من اللازم أن تخرق كلّ ضمير بشري حول العالم، ظهر أطفال غزة بجسم نحيل للغاية وكأنهم هياكل عظمية تتنفّس، لكنّ العالم اختار: التفرّج".

حصار إسرائيلي شبه كامل في غزة، حيث يواجه أكثر من مليوني شخص بمن فيهم نحو مليون طفل، جوعًا شديدًا ومتفاقمًا. ووفقًا للأمم المتحدة، يقضي ما يقرب من 1 من كل 3 أشخاص، أيامًا عدة من دون طعام، وتُبلّغ المستشفيات القليلة المتبقية في غزة، عن تزايد الوفيات بسبب سوء التغذية والجوع.

مجاعة في غزة

ولأشهر، حذّرت منظمات الإغاثة من خطر المجاعة الوشيك، حيث فرضت إسرائيل قيودًا شديدة على تدفق إمدادات الأمم المتحدة إلى غزة.

ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، فقد توفي أكثر من 100 شخص بسبب الجوع منذ بداية الحرب.

ويتم إحصاء الوفيات الجديدة كل يوم.

كيف يتحول الجوع إلى موت؟

"الجوع ليس مجرد إحساس موقت بالمعدة الفارغة، بل هو عملية معقدة من التدمير الذاتي للجسم"، وفق عضو اللجنة الوطنية لليقظة الدوائية في الأردن، وأستاذ مستشار العلاج الدوائي السريري الدكتور ضرار بلعاوي.

وأوضح بلعاوي في حديث لمنصة "المشهد"، أنّ الجوع الشديد يبدأ عندما يُحرم الجسم من العناصر الغذائية الأساسية لفترة طويلة، ما يدفعه لاستنزاف مخزونه الداخلي حتى الوصول إلى مرحلة الانهيار التام.

وأشار إلى أنه في المرحلة الأولى، يستخدم الجسم مخزون الغليكوجين في الكبد والعضلات خلال الـ24 ساعة الأولى، ثم يتحول إلى حرق الدهون، وأخيرًا يبدأ في تكسير العضلات والأنسجة الحيوية للحصول على الطاقة.

كيف يؤثر الجوع على جسم الإنسان؟

شرح ضرار بلعاوي، أنّ الجسم يدخل في حالة "الهدم"، حيث يبدأ بتفكيك نفسه للحفاظ على الوظائف الحيوية الأساسية.

  • تبدأ التأثيرات بالجهاز الهضمي حيث تضمر المعدة وتفقد قدرتها على إفراز الأحماض الهضمية.
  • مع استمرار الحرمان الغذائي، يتأثر الجهاز القلبي الوعائي حيث ينكمش القلب من 300 غرام إلى نحو 140 غرام في الحالات المتقدمة، مع انخفاض حاد في ضغط الدم ومعدل ضربات القلب.
  • يعاني الجهاز العصبي من نقص الطاقة، ما يؤدي إلى التهيج وصعوبة التركيز، وفي النهاية الهلوسة والتشنجات.
  • كما ينهار الجهاز المناعي، ما يجعل العدوى الثانوية مثل التهاب المعدة والأمعاء، سببًا شائعًا للوفاة.
  • أما الجهاز الهرموني فيتوقف عن إنتاج الهرمونات الجنسية وهرمونات الغدة الدرقية، ما يؤدي إلى اضطرابات الدورة الشهرية وهشاشة العظام.

من التعب إلى الوفاة

كما وصف الطبيب المتحدث تطور الأعراض، بأنها تبدأ بالضعف العام وفقدان الدهون والعضلات، ثم يتطور الأمر إلى فقر الدم والوذمة الناتجة عن احتباس السوائل.

وتابع: مع استمرار الجوع، يعاني الشخص من تساقط الشعر وجفاف الجلد الذي يتشقق بسهولة.

ولدى الأطفال، يمكن أن يتسبب الجوع في توقّف النمو والتخلف العقلي الدائم، خصوصًا لمن هم دون السنتين، وفق د. بلعاوي.

أما المضاعفات الخطيرة، فتشمل أمراض نقص الفيتامينات مثل الاسقربوط الناتج عن نقص فيتامين C، والبلاغرا الناتجة عن نقص النياسين. كما قد تحدث اضطرابات خطيرة في نظم القلب قد تؤدي لسكتة قلبية مفاجئة، بالإضافة إلى الفشل الكلوي والكبدي في المراحل المتأخرة، وفق د. بلعاوي.

كم من الوقت يمكن للإنسان أن يعيش من دون طعام؟

وأكد د. ضرار بلعاوي أنّ المدة تختلف بشكل كبير، لكنّ الدراسات تشير إلى أنّ البالغين الأصحاء يمكنهم البقاء من 8 إلى 12 أسبوعًا من دون طعام، بشرط توافر الماء.

أما الأطفال فهم أكثر عرضة للخطر، وقد يتعرضون للوفاة في فترة أقصر، خصوصًا مع وجود أمراض مصاحبة. كذلك يكون كبار السن وذوو الأمراض المزمنة، أكثر عرضة للخطر حيث تكون فترة بقائهم أقصر بسبب ضعف احتياطي الجسم.

لكن تختلف قدرة التحمل بين شخص وآخر، حيث عدّد د. بلعاوي العوامل المؤثرة في مدة بقاء الإنسان من دون طعام، وتشمل:

  • تلعب كمية الدهون في الجسم دورًا مهمًا، فكلما زاد المخزون الدهني، زادت مدة المقاومة.
  • يؤثر معدل الأيض الأساسي، حيث يمكن للأشخاص ذوي الأيض البطيء الصمود لفترة أطول.
  • تلعب الظروف البيئية دورًا أيضًا، فالبرودة الشديدة تزيد من استهلاك الطاقة، بينما الحرارة الشديدة تسبب الجفاف السريع.
  • يسرع وجود أمراض مثل السكري أو العدوى من عملية الهدم.

ومن الجدير بالذكر أنّ الفئات الأكثر عرضة للخطر، تشمل الأطفال دون الخامسة، والحوامل، وكبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض الكلى.

خطر إعادة التغذية السريعة: متلازمة قاتلة

في المقابل، حذر د. ضرار بلعاوي من "متلازمة إعادة التغذية"، وهي حالة خطيرة تحدث عند تقديم الطعام بكميات كبيرة بعد فترة طويلة من الجوع.  

وأوضح أنّ الجسم عندما يعود فجأة إلى تناول الغذاء، يبدأ في تخزين الغليكوجين والدهون والبروتينات، ما يستنزف باقي مخازن المعادن مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم والفوسفات، مشيرًا إلى أنّ هذا الخلل الكيميائي، يمكن أن يؤدي إلى فشل قلبي حاد، واضطرابات عصبية، وحتى الوفاة إذا لم يتم التعامل مع الحالة بحذر شديد.

التعافي من المجاعة

وأوصى د. ضرار بلعاوي باتباع نهج تدريجي حذر لإنقاذ ضحايا المجاعة، حيث يجب البدء بتعويض النقص في السوائل والكهارل والمعادن الأساسية قبل البدء بالطعام الصلب.

  • في الأيام الأولى، يجب ألا تتجاوز السعرات الحرارية 480 سعرة حرارية، مع زيادة تدريجية بعد ذلك.
  • من الأفضل التركيز على البروتين سهل الهضم مثل الحليب منزوع الدسم، مع إضافة زيت الطعام والسكر. كما تشكل المتابعة الطبية الدقيقة عنصرًا أساسيًا، حيث يجب مراقبة مستويات الفوسفات والمغنيسيوم والبوتاسيوم في الدم بانتظام.
  • ولا ننسى أهمية الدعم النفسي، حيث يعاني الكثير من الناجين من آثار نفسية طويلة المدى تحتاج لرعاية متخصصة.